انهيار الأسقف بالأردن: أزمة "سكن آمن" وفجوة موازنة تهدد الأرواح

image
صورة توثق لحظة انهيار أجزاء من سقف منزل 'أم هايل' في محافظة الزرقاء 2026
حقوق إنسان بيئة ومناخ 2026-02-12

\


الأردن 

أوليفيا إبراهيم 


تحقيق لـ 'شييك' يرصد فجوة المخصصات المالية لصيانة مساكن الأسر العفيفة بالأردن، ويكشف التباين بين أولويات الموازنة وحاجة المنازل الآيلة للسقوط لترميم عاجل.


في زقاقٍ ضيقٍ بلواء الهاشمية قرب مدرسة "ابن الأنباري"، لم يعد الصمت في منزل الحجة "أم هايل" سكينة، بل نذيراً بكارثة. ففي 3 فبراير 2026، استيقظت على صوت تصدعٍ عنيف، لتهوي أجزاء من سقف منزلها وتتناثر فوق المكان الذي طالما اعتبرته "ستراً" لها.

بفارق خطوات قليلة فقط، نُجيت هي وطفلها ذو الاثني عشر ربيعاً من موتٍ محقق. هذا المنزل الذي قدمه لها "فاعل خير" قبل عشرين عاماً ليكون ملاذاً، تحول مع الزمن إلى فخٍ من الركام والأسمنت المتهالك. اليوم، لا تطلب أم هايل المستحيل؛ هي تنشد الأمان في أبسط صوره سقفٌ يأويها وطفلها دون خوفٍ من أن يتحول لمقبرة تحت الحطام.  هنا




تغطية خجولة 

في التاسع عشر من كانون الثاني 2026، شهد زقاق 'الغويرية' في الزرقاء انهيار سقف منزل فوق رجل أربعيني، ليجد نفسه تحت وطأة ركام 'القصارة' التي كانت يوماً ستراً له. نُقل المصاب بـ 'رضوض متوسطة' إلى مستشفى الزرقاء الحكومي، في حادثةٍ غابت عن الوكالات الرسمية واقتصرت على وسائل إعلام محلية، يظهر جلياً تهميش المناطق الأقل حظاً؛ فهذا التجاهل ليس مجرد سقطة خبرية، بل هو انتقائية رسمية تترك أنات البسطاء تضيع تحت الأنقاض. هنا  هنا، هنا


وزارة التنمية تتدخل 

 كانت قد أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية عن إجراءات فورية حيال انهيار سقفي منزلين بحي الحسين في المفرق بتاريخ 2 شباط 2026. حيث باشرت كوادرها بحصر الأضرار وتأمين مأوى بديل وإغاثة طارئة للاسرتين. هنا، هنا

وأوضح البيان الرسمي أن الأسرتين لم تدرجا سابقاً ببرنامج "مساكن الأسر العفيفة"، وعليه جرى توجيههما لاستكمال الوثائق لتقييم استحقاقهما للسكن وفق المعايير. كما شدد البيان على استمرار المتابعة الميدانية لضمان استقرار أوضاعهم ضمن منظومة الحماية.


محدودية الميزانية

صرّح رئيس مجلس محافظة الزرقاء السابق ماجد الخضري لمنصة "شييك"، أن مخصصات محافظة الزرقاء تُوزع بالتساوي، وقد نال لواء الهاشمية حصته المقررة. وأوضح أن التحدي يكمن في محدودية الميزانية (مليون ونصف دينار) مقابل حجم الطلبات الهائل، مما يضطرهم لاختيار الحالات الأشد ضرراً بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية.

وأضاف أن الرقابة الهندسية تقع على عاتق البلديات، مشيراً إلى إشكالية المنازل القديمة التي بُنيت دون معايير دقيقة. وأكد أن هذه المباني تخضع لرقابة صارمة من لجنة مشتركة (تضم المحافظة والبلدية ونقابة المقاولين والدفاع المدني)، والتي تتولى الكشف الميداني وإخلاء أي مبنى آيل للسقوط فوراً لضمان السلامة العامة.

بين الوقاية والتعويض

يُبين الجدول أدناه موازنة وزارة التنمية الاجتماعية للأعوام (2023-2027)، موضحاً الفوارق الرقمية بين مخصصات الصيانة الوقائية المحدودة وميزانيات بدائل الإيواء الطارئة، وتفاصيل مخصصات مساكن الأسر الفقيرة في المفرق والزرقاء. إن هذا التباين بين ثبات ميزانيات الصيانة والارتفاع المستمر في تكاليف الإيواء، يؤكد أن السياسة المالية تركز على معالجة "نتائج الانهيار" بدلاً من استدامة البناء وحماية الأرواح قبل فوات الأوان. هنا / مؤرشف، هنا / مؤرشف


البند المالي / المنطقة

مخصصات (2023-2024)

فعلي-مقدر-إعادة تقدير

مخصصات عام 2025

مقدر

مخصصات (2026-2027)

تأشيري 

ملاحظات السياسة المالية

صيانة مساكن الأسر العفيفة (المملكة)

30,000 دينار

30,000 دينار

75،000 دينار

ثبات السقف المالي رغم الحاجة

بدائل الإيواء (بعد الانهيار)

-

1.5 مليون دينار

2 مليون دينار  موازنة تأشيرية 

إنفاق "سخي" على معالجة النتائج

مساكن الفقراء (المفرق)

200,000 دينار

397,000 دينار

285000 دينار 

(2026)



تذبذب حاد (انخفاض ثم ارتفاع)

مساكن الفقراء (الزرقاء)

-

590,000 دينار

490,000 دينار (2026)

انخفاض تدريجي في الموازنة

"مقارنة المخصصات المرصودة لمشاريع الإسكان وصيانة المساكن (مقدر وتأشيري) للأعوام 2023-2027"


 الأسباب والوقاية

صرّح مستشار العمارة والتصميم الحضري، الدكتور المهندس مراد الكلالدة، لمنصة "شييك" أن الأسباب الرئيسية لانهيار الأسقف تعود غالباً لـ الأبنية القديمة التي تجاوزت عمرها الافتراضي (50-80 سنة). وأوضح أن هذه المباني تعتمد على الجدران الحاملة، ومع مرور الوقت والرطوبة، يصدأ الحديد ويقل تماسك الخرسانة، مما يؤدي لتساقط أجزاء من السقف وتهديد سلامة المواطنين ما لم تتم الصيانة أو الإخلاء.

وأشار الكلالدة إلى أن الانهيارات في الأبنية الحديثة (عمر 20-40 سنة) نادرة، وتنتج غالباً عن تدخلات المالكين الخاطئة بإزالة عناصر إنشائية كالأعمدة لغايات التوسعة. كما شدد على ضرورة الصيانة الدورية وتفقد غلاف المبنى (Building Envelope)، خاصة مع التغيرات المناخية و الهطولات المطرية التي تسرّب المياه للهيكل الإنشائي وتضعفه.

منظومة الرقابة وآليات تصنيف المباني

صرح نقيب المهندسين الأردنيين عبد الله غوشة لمنصة ، لـ"شييك"  أن ملف المباني غير الآمنة يقع ضمن مسؤولية لجان السلامة العامة، حيث يتم التقييم الفني بناءً على الشكاوى المقدمة للحاكم الإداري. وأكد غوشة أن البلديات تملك صلاحية إخلاء وإزالة الأبنية المتهالكة، مشدداً على أن مسؤولية الإبلاغ تقع أولاً على صاحب العلاقة، بينما يقتصر دور النقابة ومجلس البناء الوطني على التفتيش خلال مرحلة الإنشاء. ودعا عبر المنصة إلى اعتماد معايير واضحة لتصنيف المباني لثلاث فئات: "آيلة للسقوط"، و"محتاجة لصيانة"، و"خاضعة للمراقبة"، لضمان التدخل الاستباقي وحماية السلامة العامة.

عشوائية التخطيط

كشفت رئيسة قسم التخطيط التنموي بمحافظة المفرق، م. ابتسام العموش، أن دور البلديات يقتصر على المحيط الخارجي دون صيانة المنازل، معزيةً تدهور الأحياء الشعبية لنشأتها العشوائية وغياب "المخطط الشمولي". وأوضحت أن "مجلس البناء الوطني" هو المسؤول عن تقييم الأبنية المخالفة للكودات وقرارات الهدم، بينما تختص وزارة التنمية الاجتماعية بصيانة مساكن الأسر المحتاجة. وأشارت العموش إلى أن مساهمات المنظمات الدولية  كالمجلس النرويجي إلا أنها تظل غير كافية، مؤكدة أن خيار الإيواء يمثل حلاً مؤقتاً "كإسعاف طارئ"، مما يستدعي حلولاً دائمة للأزمات السكنية وتوفير مخصصات كافية للأحياء المتضررة.

فجوة الموازنة 

تكشف موازنة وزارة الأشغال 2025 خللاً حاداً في الإنفاق؛ إذ لم تتجاوز مخصصات "إسكان الأسر الفقيرة" 500 ألف دينار (5.2% فقط من ميزانية الأبنية البالغة 9.6 مليون)، بينما قفزت مخصصات المشاريع المستمرة بنحو 20.4 مليون دينار لصالح المنشآت الرسمية. ويتجسد الاختلال في محافظة المفرق؛ حيث سجل بند "صيانة الأبنية" لعامي 2025 و 2026 رقم "صفر"، مقابل 180 ألف دينار لتسديد مطالبات مستحقة. وفي حين رُصد للإنشاءات بالمحافظة 10 آلاف دينار فقط —وهو مبلغ لا يكفي هندسياً لترميم غرفة— تظل مئات الأسر تحت أسقف متهالكة تواجه خطر الانهيار بانتظار تمويل غائب.






بند الإنفاق

القيمة المرصودة (دينار)

النسبة من إجمالي البرنامج

إجمالي برنامج إدارة الأبنية

9,600,000

100%

إسكان الأسر الفقيرة (كافة المحافظات)

500,000

5.2%

صيانة المباني والمنشآت الحكومية

9,100,000

94.8%

مقارنة مخصصات الإنفاق (وزارة الأشغال 2025)





حوادث متكررة 

سجلت محافظات المملكة سلسلة من انهيارات الأبنية، بدأت بانهيار 3 مبانٍ قديمة في منطقة "جبل الجوفة" مطلع عام 2017، مما استوجب إخلاء 15 مبنى وتأمين 52 أسرة (264 مواطناً)، تلاها في تموز 2018 انهيار عمارة سكنية من 4 طوابق في "شارع بغداد" بإربد دون وقوع إصابات. وفي أيلول 2019، أُصيبت سيدة وابنها جراء انهيار سقف منزل في منطقة "وقاص" بالأغوار الشمالية، بينما شهد "شارع وصفي التل" في تشرين الأول من العام ذاته إصابة 5 عمال إثر انهيار "صبة خرسانية" في مبنى قيد الإنشاء. ومع مطلع عام 2021، انهار سقف منزل في "مخيم البقعة" دون تسجيل إصابات؛ وهي وقائع تعكس تكرار حوادث الإنشاءات التي استدعت تدخلات ميدانية من لجان السلامة العامة ومجلس البناء الوطني.



واجب الحماية  

أكد الناشط الحقوقي رياض صبح أن ملف الأبنية الآيلة للسقوط يندرج ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بموجب العهد الدولي، مما يفرض على الدولة واجباً فورياً بحماية الفئات المستضعفة وتوفير مساكن مؤقتة لهم. وأشار صبح إلى أن الدولة تتحمل مسؤولية قانونية مباشرة عن الانهيارات الناتجة عن تقادم البناء أو غياب الصيانة، موضحاً أن واجب الحماية والرقابة والانتصاف يقع على عاتق السلطات الرسمية كافة. وشدد على أنه لا يمكن تحميل المالك وحده المسؤولية بمعزل عن الدور الإشرافي للدولة، داعياً لابتكار سياسات سكنية بالشراكة مع القطاع الخاص لضمان سلامة الأفراد.


انتهاك قانون البناء 

يُعد إهمال صيانة المباني المتهالكة مخالفة صريحة لقانون البناء الوطني الأردني؛ إذ تحظر المادة 11 (ب، ج، د) مباشرة أي إعمار دون مخططات هندسية مطابقة للكودات، وتُلزم الوزارات والجهات المختصة بعدم منح الرخص إلا بعد التصديق الفني والإشراف الهندسي. كما تمنح المادة 12 (ج) مجلس البناء الوطني صلاحية اتخاذ الإجراءات لضمان تطبيق الكودات في كافة المراحل، بما فيها "التشغيل والصيانة". وبموجب هذه النصوص، تمتد مسؤولية الدولة الرقابية لتشمل سلامة المنشآت القائمة، ويُعتبر التقاعس عن متابعة صيانة الأبنية الآيلة للسقوط تقصيراً يُوجب المساءلة القانونية.

العهود الدولية 

يمثل إهمال توفير مساكن آمنة انتهاكاً لـ المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تضمن حق الفرد في مستوى معيشي كافٍ ومأوى ملائم مع التحسين المستمر لظروفه. كما يصطدم هذا الواقع بـ المادة 25  من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تؤكد حق كل شخص في مستوى معيشة يضمن الصحة والرفاه، وفي مقدمتها "المسكن" والخدمات الاجتماعية الضرورية، مما يضع الدولة أمام التزام أخلاقي وقانوني دولي لتأمين الحماية والبدائل للأسر المهددة.


النتيجة 


تظل انهيارات الأسقف مأساة قائمة يغذيها الإهمال المؤسسي وعجز مخصصات الصيانة، مما حوّل السكن من حق في الأمان إلى خطر يهدد السلامة العامة، وسط فجوة تمويلية تضع حماية "الحجر الحكومي" قبل أرواح البشر.