الأردن
شييك: ديمة محبوبة
تجلس وحيدة في زاوية المنزل، تبكي بصمت، ترفع طرف ثوبها، تمسح دموعها، تنظر إلى كرسي مكسور إلى جانبها، وترى طرف باب اقترب من الانهيار، تستذكر ما حدث، وتدرك أن سنين عمرها بتربية ابنها ضاعت هدرا.
حين يصبح السند عبئاً
يُفترض بالعلاقة الأسرية أن تكون تجسيداً للتكافل، حيث يسند الأبناء آباءهم في خريف العمر وفاءً لـ "فلذات الأكباد". إلا أن الواقع يكشف فجوة مؤلمة بين هذا المثال وما تعيشه عائلات كثيرة؛ فقد تحول بعض الآباء والأمهات إلى فئة مستضعفة أمام تغول أبنائهم، خاصة في القرارات المالية. وبدلاً من أن يكون الأبناء جداراً يستند إليه الأهل، صاروا عبئاً يستنزف مواردهم المحدودة، ما يضع كبار السن في مواجهة مباشرة مع العوز والضغط النفسي.
حالة أم محمد: التقاعد تحت ضغط الديون
في محافظة عجلون، تعيش "أم محمد" (63 عاماً) فصلاً قاسياً من فصول العقوق الاقتصادي. الأرملة التي تعيل ثلاثة أبناء وابنتين، تجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة براتب تقاعدي لا يتجاوز 350 ديناراً، يُستنزف بين إيجار المسكن وإعالة أبناء عاطلين عن العمل.
لم تقتصر معاناة أم محمد على تأمين لقمة العيش، بل امتدت لتشمل سداد ضريبة طيش ابنها الأكبر؛ فالعامل بنظام المياومة الذي اعتاد استنزافها يومياً، ورط الأسرة في دين بقيمة 1500 دينار لصالح ابن عمه. وتحت وطأة المشكلات والضغوط التي افتعلها داخل المنزل، اضطرت الأم للاستدانة لسداد المبلغ، لتعيش اليوم رهينة اقتطاع شهري قدره 95 ديناراً يمتد لعام ونصف، وهو ما يلتهم ثلث دخلها التقاعدي ويهدد أمنها المعيشي.
سطوة الابن على "بطاقة التقاعد"
تجسد حالة "أم خالد" (64 عاماً) فجوة الحماية القانونية لكبار السن أمام تغول الأبناء؛ فالمعلمة التي أفنت سنوات عمرها في وزارة التربية والتعليم لتأمين تقاعد يحفظ كرامتها، تجد نفسها اليوم "مستأذنة" للحصول على مالها الخاص. بدأت فصول المعاناة حين استحوذ ابنها الأصغر (24 عاماً) على بطاقتها البنكية عنوة، تحت ذريعة "القوامة" وإدارة شؤون المنزل، ليتعدى بذلك على حقها في التصرف بجهد سنينها.
وتروي ابنتها، عبر تسجيل صوتي ل شييك، تصاعد وتيرة هذا الاستغلال؛ إذ بدأ الابن بطلب مبالغ بسيطة، ثم انتقل إلى اختلاق الذرائع للحصول على مبالغ أكبر، مبرراً تصرفه بأن إعالته "حق مشروع" وواجب على والدته. هذا السلوك فجّر صراعات داخلية مستمرة منذ نهاية العام الماضي، حين أحكم سيطرته الكاملة على المصروفات بحجة أنه "رجل البيت"، مما عطل قدرة الأخوات على التدخل أو إيجاد حل جذري.
تعيش "أم خالد" اليوم صراعاً مريراً بين عاطفة الأمومة التي تدفعها للخوف على ابنها وتصديق حاجته، وبين واقع مرير يستنزف مواردها التي خصصتها لإعالة المنزل وتأمين احتياجاتها الشخصية بعد وفاة زوجها. لقد تحولت البطاقة البنكية من وسيلة أمان مالي إلى أداة للضغط والتسلط، وضعت الأم بين فكي الكدح الضائع والاحتياج القسري.
الإطار القانوني: "العنف الاقتصادي" الغائب عن نصوص الحماية
عند فحص التشريعات الناظمة للأسرة في الأردن، تبرز فجوة قانونية تتمثل في غياب بنود صريحة تحمي كبار السن من انتهاك حقوقهم المالية أو ما يُعرف بـ "العنف الاقتصادي". وبالرغم من أن قانون الحماية من العنف الأسري يعد المرجع الأساسي، إلا أن قصوره يكمن في عمومية المواد دون تخصيص لهذه الأفعال.
عرفت المادة (3) من القانون العنف الأسري بأنه:
"أي فعل أو امتناع عن فعل يرتكبه أحد أفراد الأسرة ضد فرد آخر منها"
ورغم أن كبار السن مشمولون نظرياً تحت هذه المظلة، سواء كان العنف جسدياً أو نفسياً، إلا أن المشرّع الأردني حصر "العنف الأسري" في إطار الجرائم الواقعة على الأشخاص، مغفلاً حالات حرجة مثل: السيطرة على الدخل المالي، إجبار المسن على توقيع وكالات أو قروض بضمان راتبه، أو انتزاع الأموال بالقوة المعنوية.
مفارقة التعريفات: المحلّي مقابل الدولي بينما تشير المراجع الدولية إلى مصطلح "Economic abuse" (العنف الاقتصادي) بوصفه: "السيطرة على موارد الضحية الاقتصادية، والحد من قدرتها على دعم نفسها، واستغلال أو إساءة استعمال ممتلكاتها أو أموالها"، لا نجد في قانون العقوبات الأردني مادة تُجرّم بوضوح استغلال راتب أو ممتلكات المسن داخل الأسرة بدافع السيطرة أو الإكراه المعنوي.
ويظهر محدودية نطاق الحماية أيضاً في تعريف أفراد الأسرة المشمولين، حيث تنص المادة (3) على:
"أفراد الأسرة: أ- الزوج والزوجة. ب- الأقارب بالنسب حتى الدرجة الثالثة. ج- الأقارب بالمصاهرة حتى الدرجة الثانية. د- الأقارب بالنسب من الدرجة الرابعة والأقارب بالمصاهرة من الدرجتين الثالثة والرابعة شريطة الإقامة في البيت الأسري. ه- الطفل المشمول بحضانة شخص طبيعي أو أسرة بديلة وفقا لأحكام التشريعات النافذة"
وعلى الرغم من شمولية هذه الفئات، يغيب النص الإجرائي الذي يعتبر استغلال ممتلكات المسن أو إجباره على القروض اعتداءً مشمولاً بالعنف الأسري. وحتى في تدابير الحماية، ركزت المادة (16) على الحماية الجسدية والمكانية، حيث نصت على:
هذا القصور التشريعي يترك كبار السن في مواجهة مفتوحة مع الاستغلال المالي، دون وجود أدوات قانونية رادعة تُعالج "العنف المالي" كجريمة قائمة بذاتها تستوجب الحماية الفورية.
رأي قانوني: ديناميكيات الأسرة والحجر القضائي
ترى مديرة مركز العدل للمساعدة القانونية في حديثها لـ شييك، المحامية هديل عبدالعزيز، أن جوهر الانتهاكات التي يتعرض لها بعض كبار السن لا يبدأ بالضرورة من نص قانوني صريح، بل من ديناميكيات داخل الأسرة تقوم على التلاعب العاطفي، ولا سيما تجاه الأمهات.
وتلفت عبد العزيز إلى أن بعض الأبناء يلجؤون إلى سلوك مسار قانوني يتمثل بطلب الحجر القضائي بدعوى حماية الوالد أو الوالدة، إلا أن ما يُفترض أن يكون إجراء حمائيا قد يتحول عمليا إلى أداة لتقييد الإرادة، فقد يمنع كبير السن من مغادرة المنزل إلا بموافقة الأبناء ومرافقتهم، بذريعة الخوف عليه، ويتطور الأمر إلى التحكم بسحب الأموال والإنفاق، بحجة أن الأبناء هم من يتولون شراء الاحتياجات وقضاء المعاملات.
وتشير إلى أن صور الاستغلال لا تقتصر على الأبناء المباشرين، بل قد تمتد إلى أشقاء أو أبناء أشقاء، سواء عبر إساءة استخدام الوكالات العدلية أو خيانة الأمانة أو الضغط للتوقيع على مستندات مالية أو عقارية. وتؤكد أن خطورة الظاهرة لا تُقاس بعدد القضايا المسجلة رسمياً، إذ إن كثيراً من الحالات لا تصل إلى القضاء.
وتتوقف عبدالعزيز عند ما تعتبره فجوة تشريعية مهمة، تتمثل بغياب إلزام قانوني واضح بالتبليغ عن حالات العنف الواقعة على كبار السن، على خلاف ما هو معمول به في حالات العنف ضد الأطفال.
نصوص في قانون العقوبات
وفي قانون العقوبات الأردني تنص المادة (416): تعاقب على "استغلال حالة ضعف" أو حاجة شخص لإجراء تصرفات مالية أو قانونية تضر بمصالحه. هذه المادة يُستند إليها كثيراً في حالات إجبار كبار السن على التوقيع على تنازلات أو وكالات.
المادة (417): تتعلق بالاحتيال، وتستخدم في حال تم الاستيلاء على أموال المسن بطرق احتيالية، لكن على الرغم من وجود هاتين المادتين إلا أن قلة حيلة كبار السن، تدفعهم غالبا إلى السكوت وعدم التقدم بشكوى بهذا الخصوص.
كما أن التحديان "السرقة بين الأصول والفروع" (مثل قيام الابن بأخذ مال أبيه دون رضاه) تتطلب شكوى شخصية من الأب، ووفقاً لـ المادة (426) من قانون العقوبات، يجوز للأب التنازل عن الشكوى، مما يؤدي لوقف الملاحقة.
البعد المصرفي وإجراءات البنوك
كشف المحامي المتخصص في القانون المصرفي، معتصم نصير، في حديث خاص لـ شييك من واقع خبرته في الدوائر القانونية لعدة مصارف أردنية، أن الأمهات هن الفئة الأكثر عرضة للاستغلال المالي؛ نظراً لغلبة العاطفة والميل للتساهل مع الأبناء.
واقعة من قلب العمل المصرفي
يروي نصير لـ شيييك حالة واقعية تجسد استغلال المرض؛ حيث استغل ابنٌ إصابة والده بمرض "ألزهايمر"، مرافقاً إياه للبنك عدة مرات في اليوم الواحد لسحب المبالغ ذاتها تكراراً. يقظة موظف البنك أوقفت هذا الاستغلال، حيث ساورته الشكوك وطلب حضور قريب مسؤول، ليتبين أن الابن كان يقتنص ضعف ذاكرة والده لجني أموال غير مشروعة بشكل متكرر.
وأشار نصير إلى أن البنوك الأردنية تتبع إجراءات دقيقة لحماية كبار السن، فلا يتم قبول أي توكيل أو تفويض مالي إلا بعد مقابلة الموكل أو المفوض شخصيا، وفي الحالات التي يذكر فيها كبار السن أنهم مرضى أو غير قادرين على الحضور، يزور موظف مختص الحالة قبل قبول التفويض للتأكد من قدرة الموكل على التصرف المالي، كما أن أي شك في القدرة الذهنية لكبير السن يحال للقاضي الشرعي، الذي يحدد أهلية الشخص أو عدمها، في حال ثبوت عدم الأهلية، يصدر القاضي وثيقة تحدد المبالغ الشهرية التي يحق للمفوض سحبها من حساب المسن، ويصبح الصرف مقيدا بما ورد في هذه الوثيقة القضائية.
وبين نصير، أن قانون البنوك وتعليمات البنك المركزي، قانون تنظيم البنوك الأردني رقم (28) لسنة 2000 لا يحوي نصوصاً تتعلق مباشرة بـ:حماية كبار السن من استغلال الوكالة، إلزام التحقق من الأهلية الذهنية في توقيع العقود
الاستراتيجية الوطنية لكبار السن 2025–2030
في المقابل هناك قصور تشريعي بالمطلق لم تسلم منه الاستراتيجية الوطنية 2025-2030 هنا، التي تعاني ضعفا في التوصيف المباشر لحالات العنف الاقتصادي في بعض التشريعات القديمة، ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الجديدة والتوجهات القانونية الحديثة بدأت تولي اهتماما خاصاً لما يسمى "الاستغلال المالي لكبار السن".
وتتحدث الاستراتيجية عن الحماية القانونية للممتلكات، إذ تتضمن بنودا تتعلق بمراجعة التشريعات لضمان عدم تعرض كبار السن للضغط أو الإكراه فيما يتعلق بالتنازل عن ممتلكاتهم (مثل قضايا "التخارج" من الإرث أو الوكالات العامة للأبناء)، كما تركز الاستراتيجية على ضمان استقلالية المسن المالية، وتعتبر أن حرمان المسن من التصرف في أمواله أو معاشه التقاعدي من قبل الأبناء يندرج تحت مفهوم "الإساءة المادية".
حماية دستورية
وتقول مديرة الاتصال والإعلام في مجلس شؤون الأسرة خديجة العلاوين لـ شييك، إن الحكومة الأردنية أقرت الاستراتيجية الوطنية لكبار السن للأعوام 2025–2030 هنا، التي أعدّها المجلس الوطني لشؤون الأسرة بالتعاون مع شركائه، بهدف تعزيز جودة حياة كبار السن وضمان تمتعهم ببيئة آمنة تحفظ كرامتهم وحقوقهم.
وتستند الاستراتيجية إلى المادة (6/5) من الدستور الأردني التي تنص على أن «يحمي القانون الأمومة والطفولة والشيخوخة ويحميهم من الإساءة والاستغلال»، كما تنسجم مع أحكام قانون الحماية من العنف الأسري لعام 2017 الذي يشمل كبار السن ضمن نطاق الحماية.
ويتناول أحد المحاور حماية كبار السن من العنف والإساءة، بما في ذلك العنف الاقتصادي، ويُقصد بالإساءة المالية حرمان المسن من الوصول إلى أمواله أو الضغط عليه للتصرف بممتلكاته أو التلاعب بحقوقه المالية، وتؤكد الاستراتيجية على ضرورة تعزيز الآليات القانونية والمؤسسية للحد من هذه الممارسات، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد من تعرض كبار السن لمثل هذه الانتهاكات.
فجوة بحثية
يكشف رصد لـ شيييك غياب الإنتاج البحثي المتخصص في "العنف المالي ضد كبار السن" داخل الأردن، ما يعكس ضعفاً في الاعتراف الأكاديمي بجذور المشكلة. ومع ذلك، تبرز دراسة للباحثة شذى أحمد العساف بعنوان "حماية كبار السن من الإساءة في القانون الأردني"، المنشورة في المجلة الدولية للإبداع والابتكار والتغيير (IJICC)، والتي حللت نطاق الحماية الجزائية الموضوعية التي يقررها التشريع الأردني لمواجهة صور الإساءة المختلفة مقارنة بالمعايير الدولية.
وخلصت الدراسة التي استعرضتها إلى أن المشرّع الأردني لا يخصص حماية جنائية مستقلة لكبار السن بوصفهم فئة قائمة بذاتها، بل تمتد إليهم الحماية عبر النصوص العامة في قانون العقوبات وقانون الحماية من العنف الأسري. وبيّنت الباحثة أن هذه الحماية تقوم أساساً على تجريم الأفعال الواقعة على النفس أو المال أو الكرامة —كالإيذاء والسرقة والاحتيال— دون وجود نصوص تجرّم صراحةً "إساءة معاملة كبار السن" أو "الاستغلال المالي للمسن" كجريمة مستقلة.
وتؤكد نتائج الدراسة أن المظلة الجنائية الحالية تظل "عامة"، وغير مصممة خصيصاً لمراعاة هشاشة المسن أو ظروف التبعية التي قد تحيط به داخل المحيط الأسري.
دور لجنة الإسكوا
تُظهر البيانات الرسمية المنشورة على موقع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، أن دعمها للأردن في ملف كبار السن ركز على تقديم المساندة الفنية لإعداد وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لكبار السن (2025–2030) بالتعاون مع المجلس الوطني لشؤون الأسرة. وتتضمن الاستراتيجية، وفقاً للإسكوا، محاور أساسية تشمل الحماية الاجتماعية والأمن المالي، والوقاية من العنف والإساءة والإهمال، لتعزيز كرامة كبار السن وضمان مشاركتهم المجتمعية.
ويتبين من المواد المنشورة أن الجانب المالي يُعالج ضمن مفهوم الحماية الاجتماعية وتأمين الدخل، لا كمسار تشريعي مستقل. وفي المقابل، يخلو المحتوى التعريفي المنشور على موقع "الإسكوا" من استخدام مصطلحات صريحة مثل "العنف الاقتصادي" أو "الاستغلال المالي" في السياق الأردني، كما لا تتضمن المواد تفصيلاً قانونياً حول آليات تجريم هذا النوع من الاستغلال كنمط مستقل من أنماط العنف.
ويعكس هذا الطرح أن المعالجة الحالية المنشورة تركز على البعد الاستراتيجي والسياساتي، دون الخوض في التفاصيل التشريعية المتعلقة بالانتهاكات المالية كقضية قائمة بذاتها.