الأردن
شييك : عهود محسن
خلف جدران دور الرعاية والتأهيل، التي أُقيمت كملاذ لإنقاذ الأحداث من براثن الإدمان، تتلاشى ملامح طفولة أمام المخدرات. بينما تُلزم المحاكم اليافعين—غالباً من فئة 16-17 عاماً—بالإيداع في هذه الدور "لتصحيح سلوكهم"، تكشف 90 قراراً قضائياً من قاعدة "قسطاس" (2020-2025) عن واقع قاسٍ: غياب تام لأي برامج علاج متخصصة، مع انعدام تمويل فعال من وزارة الصحة لدعم هذه الدور. ففي زواياها المفترضة آمنة، تنتشر حالات تعاطٍ جديدة، محولة مكان "النجاة" إلى فخ آخر للضياع.
تمويل مخصص والتنفيذ قيد الانتظار!
قبل نحو 3 أعوام مع دخول قانون حقوق الطفل حيز النفاذ بعد نشره في الجريدة الرسمية بدأت تأكيدات وزارة الصحة بمباشرة العمل على إنشاء أو تخصيص مركز لعلاج إدمان الأحداث بحسب تصريحات صحفية
بسؤال وزارة الصحة عن مصير هذه التصريحات وتطبيق ما أكدته مرارًا قالت الوزارة على لسان مدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور محمد الطعاني في 12 شباط الجاري أنه تم العمل مع الشركاء على تخصيص مبلغ مالي لهذه الغاية جزء منه موجود في حساب أمانات وزارة الصحة.
وبين الطعاني لـ "شييك" أن الوزارة، باشرت بوضع التصورات الفنية والإدارية اللازمة لإنشاء المركز، بما يشمل تحديد الاحتياجات، ووضع نموذج الخدمة العلاجية والتأهيلية، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لضمان تكامل الأدوار، انطلاقاً من حرص الوزارة على توفير خدمات صحية متكاملة تراعي خصوصية هذه الفئة واحتياجاتها النفسية والاجتماعية.
عقوبة بلا علاج
خلال إعداد هذا الملف، استخدمنا محرك البحث القانوني قسطاس لتتبع حجم انتشار الظاهرة بين الأحداث. رصدنا 90 قراراً قضائياً صادرة عن محكمة أمن الدولة للأحداث (2020-2025). تكشف هذه القرارات أن الأحداث المدانين في قضايا المخدرات—الذين تركزت فئتهم العمرية الأعلى بين 16-17 عاماً—أُحيلوا جميعاً، رغم اختلاف طبيعة قضاياهم وحالة إدمانهم، إلى دور رعاية وتأهيل الأحداث التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية. لكن هذه القرارات لم تذكر العلاج صراحةً، واكتفت بإيداعهم في الدور لمساعدتهم على الإصلاح.
وفي مفارقة صادمة، رصد التقرير قراراً قضائياً لافتاً يوثق وقوع جريمة تعاطي مخدرات داخل أسوار إحدى دور الرعاية؛ وهي المؤسسة المفترض بها أن تكون ملاذاً آمناً لتصحيح السلوك. ورغم خطورة الواقعة، أعاد قرار محكمة أمن الدولة الحدث إلى ذات الدار، دون أي إشارة أو توجيه لضرورة إخضاعه للعلاج الطبي أو النفسي.
قانون حقوق الطفل
حسمت المادة 11 من قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022 الجدل وتقاذف المسؤولية بين وزارتي التنمية والصحة بإلزام الأخيرة بإيجاد مراكز متخصصة لعلاج إدمان الأطفال بالنص على" إيجاد مراكز متخصصة لعلاج الطفل وتأهيله في حالات الإدمان على المخدرات أو المؤثرات العقلية أو المواد الطيارة ووفقا للإمكانيات المتوفرة".
بعد مضي نحو أربع سنوات على إقرار القانون وحتى اللحظة لم تخصص وزارة الصحة موازنة لإيجاد المركز ولم تحدد موعدًا لمباشرة العمل به و استقبال النزلاء على الرغم من أن اتفاقية حقوق الطفل التي صادق الأردن عليها عام 1991 تُلزمه بتوفير الحماية والرعاية اللازمة للأطفال، بما في ذلك تأهيلهم من الإدمان.
كما أن محور الخدمات في استراتيجية عدالة الأحداث بنسختها الثانية المحدثة للأعوام 2024 - 2028، أولت أهمية للتوجه لإنشاء مركز متخصص لعلاج الإدمان للأحداث المتعاطين والمدمنين في عامي 2025 - 2026.
غياب التأهيل.. والعودة للإدمان
في المسافة الفاصلة بين "التعاطي" و"غياب التأهيل الحقيقي"، يجد الكثير من الأطفال أنفسهم عالقين في دوامة مفرغة، حيث يفقدون القدرة على الوصول إلى بر الأمان. "أحمد" (اسم مستعار)، طالب في المرحلة الثانوية، هو أحد ضحايا هذه الفجوة؛ إذ لم يكن اندفاعه نحو المخدرات سوى محاولة يائسة لإثبات "رجولته" والهروب من نظرات السخرية التي كان يرمقه بها رفاقه.
يقول أحمد في حديثه لـ "شييك": " عندما كنت في الصف التاسع بدأت بالتدخين ومن ثم تعاطي المخدرات مع رفاقي في المدرسة ليقبض علّي بعدها وهذه أول مرة قبض عليّ فيها تعاطي ، أودعوني دار تأهيل ثلاثة أشهر".
ويضيف أحمد "بعدها طلعت ورجعت لصحابي اللي علموني الكيف (المخدّرات) وصرت ساعتها أبيع عشان أجيب مصروفي وشمتي، لأن الإدمان تطور معي، وانتقلت من الحشيش، وأخذت (جوكر) وبعدها هيروين وبطلت ارجع على البيت".
قُبض على "أحمد" مرة أخرى، وأُودع دار الأحداث "رجعت انمسكت ورحت دار أحداث ستة أشهر، ومثل المرة الأولى ما تعالجت ولا شي".
يؤكد أحمد، بعد خروجي من الدار رجعت مرة ثانية للمخدرات : "ودخلت أكثر بالمخدّرات" حتى أأمن مصروفي و"مونتي"
خدمات نفسية إيوائية
في نيسان العام 2025 أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية إحالة 18 حالة من الذكور والإناث إلى مركز تعديل السلوك وإعادة التأهيل للأطفال الذي افتتح رسميا في 11 تشرين الثاني( نوفمبر) 2024، و12 حالة من الذكور، وحالة واحدة من الإناث في العام 2024 ليكون أول مركز مخصص لإيواء وإعادة التأهيل للأطفال، من المنتفعين من خدمات الوزارة وممن هم في نزاع مع القانون ممن يعانون من المؤثرات العقلية والمخدرات.
كانت الوزيرة قد أكدت يوم الافتتاح بحسب البيان الرسمي، إن المركز يقدم خدماته النفسية والتأهيلية و الإيوائية للمنتفعين في دور الرعاية التابعة للوزارة من الذكور والإناث، من "فئتي الأيتام وفاقدي السند الأسري، وممن هم في نزاع مع القانون ويعانون من المؤثرات العقلية والمخدرات، في إطار بيئة آمنة وصحية، وأن هذا يعد جزءا من دور الوزارة تجاه المنتفعين في دور الرعاية" حيث يلزم قانون الأحداث الجهة التي يودع الحدث لديها بالرعاية.
في كانون الثاني العام 2020 أفاد مدير الأحداث والأمن المجتمعي بوزارة التنمية الاجتماعية محمود الهروط أن هناك مشكلة حقيقية تواجه الأحداث بقضايا المخدرات بالمراكز فقد بلغت نسبة المدمنين على المخدرات من الأحداث بمراكز الرعاية المخصصة لهم 45% وهي نسبة مرتفعة تتعامل معها الوزارة مع من لم يكمل عامه الثامن عشر من الذكور.
جرائم المخدرات: الأحداث
يعكس التقرير الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية بمديرية الأمن العام (2023-2024) حجم انتشار جرائم المخدرات بين الأحداث في الأردن. أظهرت إحصاءاته ارتفاع جرائم الاتجار إلى 96 حالة في 2023، ثم انخفاضاً إلى 65 حالة في 2024؛ بينما سجلت جرائم الحيازة والتعاطي 172 حالة إجمالاً.
سؤال قيد الانتظار
ضمن إعداد هذا الملف، قامت معدة التقرير بمخاطبة وزارة التنمية للاستفسار عن ملف الأحداث المدمنين داخل دور الرعاية وطرق علاجهم سنويًا، وكيف يتم التعامل معهم داخل هذه الدور ومازال سؤالنا قيد الانتظار حتى لحظة نشر هذا التقرير
وتنص المادة "4/ و" من قانون الأحداث رقم 32 لسنة 2014، على أنه"تلتزم أي جهة یكون الحدث مودعا ًلدیها بأن تقدم له الرعایة وأن تحوله إلى الجهات الطبية المختصة لتلقي العلاج الذي يحتاجه، مهما كان نوعه سواء لمرض أو إدمان أو غیر ذلك.
توصيات متكررة و أموال مرصودة
توصيات متوالية لإيجاد مركز متخصص لعلاج إدمان الأحداث عززتها التقارير السنوية الصادرة عن المركز الوطني لحقوق الإنسان، الذي أكد إصداره العديد من التوصيات بإيجاد وزارة الصحة وحدة متخصصة للمرحلة العمرية ما دون 18 عام (الأحداث) وتقديم خدمات العلاج من الإدمان والصحة النفسية لهذه الفئة.
أوضح المركز لـ "شييك": أنه وعقب زيارته الرصدية للمركز الوطني لعلاج وتأهيل المدمنين (البالغين) حزيران 2025 تلقى ردًا من وزارة الصحة بأن لجنة صندوق مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية قررت المساهمة في إنشاء مركز متخصص لعلاج إدمان الأحداث والنساء في حرم المركز الوطني لعلاج وتأهيل المدمنين وتم تحويل المبلغ اللازم لهذه الغاية وتم اعتماد المتطلبات المعمارية لإنشاء المركز وتقدير الكلفة المبدئية واتخاذ الإجراءات المناسبة مع وزارة الأشغال والإسكان لغايات طرح العطاء ودراسة أعمال الإنشاء.
وشدد المركز على أن هذه الخطوة ايجابية ومتقدمة ويأمل بأن يجد نتائجها قريبًا جدًا بخطوات عملية مدروسة من الوزارة على أرض الواقع خصوصُا وأن المركز للأحداث والنساء.
لجنة إنشاء المركز مشكلة منذ 2019
بسؤاله عن إجراءات إيجاد مركز متخصص لعلاج إدمان الأحداث أكد الدكتور جمال العناني - المدير الأسبق للمركز الوطني لتأهيل المدمنين التابع لوزارة الصحة وجود خطة لإنشاء المركز وقد شكلت لجنة بهذا الخصوص لغايات التنفيذ منذ العام 2019.
وحول إمكانية تنفيذ العلاج للإدمان والأعراض الانسحابية للأطفال الأحداث في دور الرعاية قال العناني أن ذلك ممكن شرط توفر الشروط الصحية والإدارية والأمنية الملائمة لحين توفير مركز متخصص.
مقاضاة وزارة الصحة
بحسب المادة 256 من القانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 فإن "كل اضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر". المحامية لين الخيّاط المختصة في قضايا الجنايات وحقوق الإنسان، ترى أن المادة الأخيرة من قانون حقوق الطفل نصت على أن رئيس الوزراء والوزراء مكلفون بتطبيق أحكام هذا القانون ،ويعتبر أي قانون نافذ بمجرد نشره في الجريدة الرسمية و دخوله حيز التنفيذ من حيث المدة.
وأوضحت الخيّاط لـ "شييك" أن المادة (11)من قانون حقوق الطفل تلزم وزارة الصحة والجهات المعنية على إيجاد مراكز متخصصة لمعالجة الأحداث من الادمان من المخدرات و المؤثرات العقلي بناءً على ذلك أن الشروط المثلى لرعاية الأحداث الجانحين أو محتاجي الرعاية تستلزم عزلهم عن الجناة من البالغين و كذلك كون دور رعاية الأحداث في وزارة التنمية الاجتماعية قد لا يتواجد فيها كل ما يلزم الحدث المدمن أو المتعاطي للمخدرات او المؤثرات العقلية من رقابة وإشراف طبي فضلا عن الخطورة على باقي الأحداث المستفيدين من دار الرعاية.
وتشدد الخيّاط على أنه وبهذا الشكل نحن أمام نص قانوني نافذ و لكنه معطل لأسباب من الضروري معرفتها إذا ما توافرت الإمكانات و التمويل الكافي لإنشاء هذا المركز مع الكوادر المؤهلة لادارته لما يحمله ذلك من تبعات قانونية قد تحمل أي ذوي حدث متضرر من الرجوع سواء بأحكام القوانين على السلطة التنفيذية بأي مطالبات بالعطل والضرر.
"يصطدم ملف إدمان الأطفال بجدار من الضبابية الإحصائية؛ فبين غياب مركز علاجي متخصص واقتصار التقاضي على محكمة أمن الدولة، تلاشت وحدة المرجعية البيانية. لم تتمكن معدة التحقيق من الوصول إلى بيانات تشرح واقع الظاهرة (عمرياً وجغرافياً)، مما يكشف عن ثغرة عميقة في آليات التتبع والتعافي، ويترك "الأحداث" رهينة الهامش ووعود الوزارة التي لم تجد طريقها للتنفيذ بعد."