حق الوصول المفقود : التحديات اليومية لذوي الإعاقة الحركية في النقل العام الأردني

image
صورة مولدة بتقنية ai
حقوق إنسان منوعات 2026-03-15

الأردن

شييك : لقاء حمالس


تقرير لمنصة شييك يرصد التحديات اليومية التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة الحركية في استخدام النقل العام في الأردن، من أعطال الرامبات وقلة تهيئة المحطات إلى ضعف وعي بعض السائقين بحقوقهم في الوصول والتنقل الآمن



في الأردن، يواجه ذوو الإعاقة الحركية تحديات يومية تبدو للآخرين بسيطة، لكنها بالنسبة لهم مسألة حق أساسي في الوصول والمشاركة. من الرصيف إلى الحافلة، تبدو المعرقلات الصغيرة كحواجز كبيرة أمام حياتهم اليومية، رغم القوانين التي تكفل لهم هذه الحقوق. 

هذا التقرير يسلط الضوء على الواقع الذي يعيشه الأشخاص ذوو الإعاقة الحركية في النقل العام الأردني.

واقع مختلف

في كل صباح، تقف ياسمين العويني على الرصيف نفسه، لا كمن ينتظر حافلة عابرة، بل كمن ينتظر اعترافًا بسيطًا بحقه في أن يصعد أولًا، حقٌّ تكفله القوانين، لكنه على الأرض يبدو مؤجلًا دائمًا.

تحمل ياسمين شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي، وتنقلت بين العمل في متجر إلكتروني، ثم في قناة تلفزيونية وإذاعة، قبل أن تختار طريقًا أكثر إنسانية، أصبحت مدربة لدعم النظراء، تساعد أشخاصًا لم يتقبلوا إعاقتهم بعد، وتعمل في التعليم الدامج لتدريب غير ذوي الإعاقة على كيفية التعامل الصحيح مع زملائهم.

لكن ورغم دورها الداعم للآخرين، تجد نفسها يوميًا في مواجهة واقع مختلف تمامًا.

"طلب مني أن أركب الباص الذي خلفه"

تروي ياسمين أحد أصعب المواقف التي مرت بها "كنت واقفة بانتظار الباص، كان شبه فارغ ، المفروض أن تكون لي الأولوية في الصعود، وأن يفتح السائق الباب الخلفي لأدخل أولًا قبل ازدحام الركاب،  لكنه نظر إليّ وطلب مني أن أركب الباص الذي خلفه."هنا، لم يكن الأمر موقفًا عابرًا كان تأخيرًا جديدًا يضاف إلى سلسلة تأخيرات، وإحساسًا متكررًا بأن الحق الواضح يحتاج في كل مرة إلى مطالبة وتذكير.

على مدار عامين ونصف، تقول  ياسمين إنها قدّمت شكاوى "بعدد شعر رأسي" ، ونشرت فيديوهات متعددة توثّق معاناتها، فتواصلت معها الأمانة والمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ونُظم تدريب لبعض السائقين في إحدى شركات النقل. 

لكن الواقع لم يتغير كما ينبغي، بعض من خضعوا للتدريب لا يعرفون تشغيل الرامب "المنحدر المتحرك" ، وأحدهم غادر العمل، ولا يوجد بروتوكول ملزم يضمن التعامل الصحيح في كل مرة.

تذكر  ياسمن شكوى تقدمت بها بسبب مصعد كهربائي معطل، أُصلح لاحقًا، لكن بعد أن عانى آخرون المشكلة نفسها.هنا


"ليست حلولًا مستدامة…بل ردود أفعال مؤقتة". 

وأحيانًا حين يضيق بها الطريق، تضطر لطلب سيارة مهيأة لذوي الإعاقة الحركية، تكلفة المشوار الواحد تصل إلى 45 دينارًا، وهو مبلغ كبير جدًا.هنا

تطالب ياسمين بسيارات مهيأة ومتاحة، تُمكّنهم من الحركة بسهولة ومن دون استعانة دائمة بالآخرين، "أشعر بالحرج أحيانًا عندما أحتاج لمساعدة الناس، أريد أن أركب براحتي، وأن أنزل براحتي"، ليس طلبًا استثنائيًا، بل رغبة بسيطة في استقلالية لا ينبغي أن تكون رفاهية.

وتشير إلى منشور نشرته إحدى الأمهات عبر صفحة تُعنى بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، تشتكي فيه من تعرض ابنتها للموقف ذاته تمامًا.هنا


تختتم ياسمين حديثها بجملة تختصر المشهد "أنا لا أتحدث باسم ياسمين، أنا أتحدث باسم أشخاص ذوي الإعاقة".

وتضيف بوضوح "نريد مخالفات وقوانين رادعة، نريد تطبيقًا فعليًا، لا وعودًا".

الانتظار لساعات

مثل ياسمين، يواجه ليث أبو خضر، طالب في الجامعة الأردنية، تحديات يومية مع الباص السريع، التي لا تقل صعوبة عن الانتظار على الرصيف. "أحيانًا تكون الرامبات معطلة، والسائق يبتعد عني بدل أن يساعدني، وأضطر للانتظار لساعات، خاصة في أيام البرد"، يروي ليث. هذا الانتظار لا يؤثر فقط على دراسته، بل على صحته أيضًا، حيث تضطر والدته لمساعدته باستمرار، من حمله وحمل كرسيه في السيارة، إلى النزول والمساعدة داخل الجامعة، لتخفيف صعوبة الانتظار الطويل وظروف الطقس القاسية.

ويضيف ليث: "يعني أنا غايب عن أغلب الجامعة بسبب هاي الشغلة، بنداوم يوم، أسبوع أنا تعبان وهي تعبانة".
تجربته اليومية مع النقل العام ليست مجرد رحلة، بل قصة صبر وإصرار وتضحية مشتركة بينه وبين والدته، وتظهر مدى الحاجة الملحة إلى نظام نقل عام يحترم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مع رفع وعي السائقين، إصلاح الأعطال فورًا، وفرض رقابة صارمة على المخالفين لضمان التنقل بأمان وكرامة.هنا .




الإحصاءات الرسمية

هذه التجارب اليومية تضعنا أمام واقع أكبر بكثير؛ إذ تشير أحدث الإحصاءات الرسمية لعام 2024 إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يشكّلون نحو 11.2% من إجمالي السكان الأردنيين البالغين من العمر 5 سنوات فأكثر، أي ما يعادل حوالي 1.25 مليون شخص. وتشير البيانات إلى أن الإعاقات الحركية تمثل نحو 4.8% من السكان، لتأتي في المرتبة الثانية بعد الإعاقات البصرية من حيث الانتشار.

تعكس هذه الأرقام حجم الفئة التي تعتمد على نظام نقل عام مهيأ خصيصًا لتسهيل تنقلهم، بدءًا من الحافلات المجهزة بالرامبات المتحركة وأنظمة الصعود والنزول، وصولًا إلى تدريب السائقين على التعامل مع الركاب ذوي الإعاقة الحركية. فبغياب هذه التسهيلات، تتضاعف العقبات اليومية أمام استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات التعليمية والعملية والاجتماعية بأمان وكرامة.

رحلة يومية مليئة بالتحديات... تجربة أحمد أبو ريان مع النقل العام

ولا تقتصر هذه التحديات على قصص ياسمين وليث، بل تتكرر في تجارب يومية أخرى لأشخاص يعتمدون على النقل العام في الأردن للوصول إلى أعمالهم ودراستهم..




أحمد أبو ريان، ناشط في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وصانع محتوى من ذوي الإعاقة الحركية، يعيش واقعًا يوميًا يكشف عن فجوات واضحة في منظومة النقل العام المخصصة لهذه الشريحة.

في محطة الزرقاء، يواجه أحمد صعوبات حقيقية نتيجة نقص التهيئة، ووجود أعمدة في المسار الآمن المخصص للمكفوفين، إضافة إلى تعطل عدد كبير من الرامبات في الحافلات. كما يلفت إلى غياب بروتوكول صيانة دوري لهذه التجهيزات، ما يزيد من تعقيد رحلاته اليومية.

ويشير أحمد إلى أن قلة معرفة بعض السائقين ببروتوكول التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة تجعل التنقل أكثر صعوبة، خاصة مع غياب مواقف سيارات مخصصة لهذه الشريحة. كما أن الأرصفة في الجهة المقابلة للطريق القادم من مدارس الأونروا لا تزال غير مهيأة بالكامل، رغم أن الجهتين الرئيسيتين في المحطة مزودتان بتجهيزات تقنية أفضل.

ويؤكد أحمد أن وسائل النقل ليست مجرد خدمة، بل تمثل البوابة الأساسية للوصول إلى بقية الحقوق، مثل التعليم والعمل والخدمات الصحية. ويقول:
"بدون وسائل نقل مهيأة، لا يمكن الوصول للصحة والعمل والتعليم وغيره. لا بد من إزالة الحواجز والعمل على ملف النقل بشكل شامل، ويجب توفير وسائل نقل مهيأة فرعية للأحياء".

ويضيف أن الحقوق اليومية للأشخاص ذوي الإعاقة تظل محدودة في الواقع العملي حتى في أبسط التفاصيل، إذ لا يستطيع الوصول إلى العديد من المرافق العامة إلا في الأماكن المهيأة مثل المولات والمطاعم، بينما تفتقر معظم الأحياء والخدمات العامة إلى تجهيزات مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية.


التزام رسمي بالقوانين

أكدت علا كفاوين، المدير التنفيذي للنقل العام وإنشاء البنية التحتية بالوكالة، أن أمانة عمان الكبرى تؤكد التزامها بضمان تقديم خدمات النقل العام بما يحقق مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص لجميع المستخدمين، بما في ذلك ذوي الإعاقة الحركية، وذلك من خلال تنفيذ برامج التدريب والتوجيه المستمر للسائقين لرفع مستوى الوعي وتعزيز الالتزام بالإجراءات المعتمدة، إضافة إلى تطبيق منظومة متكاملة من المراقبة الإلكترونية والميدانية لمتابعة مدى التزام السائقين بتفعيل الرمبات وتقديم الخدمة بالشكل المطلوب، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أي مخالفات، بما يضمن تقديم خدمة نقل آمنة وميسرة وخالية من أي شكل من أشكال التمييز.

وأوضحت كفاوين أن الأمانة تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية الاستفادة من بطاقات معفاة تمكنهم من استخدام خدمات الباص السريع عمّان وباص عمّان دون رسوم، وذلك في إطار دعم استقلاليتهم وتعزيز إمكانية وصولهم إلى وسائل النقل العام بكل سهولة.

وبينت كفاوين أن عدد الحافلات العاملة ضمن منظومة النقل يبلغ 352 حافلة مجهزة بوسائل تسهيل متنوعة لتلبية احتياجات مختلف المستخدمين، مؤكدة أن تطوير البنية التحتية للنقل العام يظل أولوية مستمرة لضمان عدالة الخدمات وسهولة الوصول للجميع.

الإطار القانوني

يستند هذا الالتزام إلى قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017، المادة 36، التي تلزم الجهات المعنية بتهيئة جميع الحافلات لاستخدام الأشخاص ذوي الإعاقة وتخصيص مقعدين لهم على الأقل في كل حافلة.

وعالميًا، يلتزم الأردن باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة للأمم المتحدة (صادق عليها 2007)، والتي تنص في المادة 9 (إمكانية الوصول) على تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في الحياة، بما في ذلك الوصول إلى وسائل النقل والخدمات العامة، مع إزالة كافة العقبات والمعوقات أمام الوصول.

وتعكس هذه التشريعات الإطار القانوني الواضح لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لكنها أيضًا تبرز الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الميداني الذي تواجهه ياسمين، ليث، وأحمد يوميًا.





غیاب الرد

حاول فريق 'شييك' التواصل عدة مرات مع الأمين العام للمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى مكتبه الإعلامي، للحصول على رد أو توضيح بشأن ما ورد في هذا التقرير، إلا أننا لم نتلقَّ أي إجابة حتى لحظة نشره. ويؤكد الفريق التزامه بالمعايير المهنية، واستعداده لنشر أي رد أو توضيح قد يرد من الجهة المعنية لاحقًا.

الفجوة بين الخطط الرسمية وتجربة المستخدم

بالعودة إلى التقرير السنوي لوزارة النقل الأردنية لعام 2024، يظهر أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة النقل وتحسين البنية التحتية للطرق، بما في ذلك مشاريع الباص السريع والباص العمّاني، ضمن استراتيجيات طويلة الأمد تهدف إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة لجميع المستخدمين.

 ومع ذلك، لا يتضمن التقرير بيانات تفصيلية عن مدى تلبية احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية أو نسبة الحافلات المجهزة بشكل كامل لهم.

وهنا تكمن الفجوة على الرغم من الخطط الاستراتيجية الرسمية، يواجه المستخدمون ذوو الإعاقة الحركية ، تحديات يومية حقيقية، تشمل عدم معرفة بعض السائقين بكيفية تشغيل الرمبات أو الأعطال المتكررة في المصاعد، الأمر الذي يعكس أن التنفيذ الفعلي ما زال محدودًا ولا يعكس الطموحات الرسمية.



 تحديات تطبيقية

كما ويشير التقرير الحادي والعشرون السنوي للمركز الوطني لحقوق الإنسان الأردني لعام 2024 إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة ما زالوا يواجهون تحديات تطبيقية كبيرة فيما يتعلق بحقوقهم في التنقل والوصول إلى الخدمات العامة.

 فرغم وجود القوانين والأنظمة التي تكفل حقوقهم، فإن الممارسة العملية غالبًا ما تتسم بعدم تهيئة البنى التحتية والوسائل المساعدة، سواء في الحافلات العامة أو الأماكن والخدمات الحكومية. 

ويبرز التقرير ضرورة توفير تجهيزات مهيأة تضمن إمكانية التنقل المستقل، وتخصيص مقاعد ومرافق مناسبة، بالإضافة إلى إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تحول دون المشاركة الفاعلة للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع. 

ويؤكد التقرير أن تعزيز قدرة هذه الفئة على الوصول بحرية وأمان إلى المواصلات والخدمات العامة يمثل خطوة محورية لضمان تطبيق حقوقهم بشكل فعلي وشامل، بما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان الدولية.هنا

ومع ذلك، تظل هذه المبادرات في مرحلة التخطيط أو التطبيق الجزئي، بعيدًا عن تجربة المستخدم اليومية التي تكشف عن الحاجة إلى بروتوكولات واضحة، رقابة فعّالة، وتطبيق شامل للقوانين الوطنية والدولية.

هذا التناقض بين ما هو معلن رسميًا وما هو محسوس على أرض الواقع يوضح أن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية ليست مجرد نصوص قانونية، بل تحتاج إلى متابعة دقيقة، تدريب مستمر للسائقين، وتطبيق عملي يضمن الوصول إلى النقل العام بكرامة واستقلالية.



تُظهر شهادات أشخاص من ذوي الإعاقة الحركية في الأردن استمرار التحديات في استخدام النقل العام، بسبب ضعف تهيئة الحافلات والمحطات وتعطل الرامبات وقلة وعي بعض السائقين.



organic