الأردن
شييك- عهود محسن
في الأردن، الحق في التنظيم النقابي لا ينبع من إرادة العمال بل من قرار إداري قد يمنحه أو يسلبه، بينما تظل اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم رقم 87 خارج المصادقة،"وهي حق أساسي يضمن للعمال وأصحاب العمل حق إنشاء والانضمام لمنظمات من اختيارهم دون تدخل حكومي"، تاركة فئات عمالية كاملة بلا تمثيل مستقل أو صوت جماعي. وعمال مصانع الأدوية، الذين تجاوز عددهم اليوم 8 آلاف عامل وعاملة في 34 مصنعًا، ما زالوا محرومين منذ نحو 17 عامًا من تأسيس نقابة مستقلة تراعي خصوصية عملهم ومتطلبات السلامة في قطاع حساس مرتبط مباشرة بالصحة العامة، بعد رفض وزارة العمل حينها طلب نحو 400 عامل كانوا يمثلون 25 مصنعًا، مستندة إلى تصنيفهم في النقابة العامة للعاملين بالبتروكيماويات والبترول، ليبقى هذا الحرمان مستمراً رغم اتساع القطاع وحاجة المهنة المتزايدة لتمثيل نقابي مستقل.هنا و هنا وهنا و هنا
مراغة: لا تماثل نقابي لعمال الأدوية
رئيس النقابة المستقلة للعاملين في الصناعات الدوائية أحمد مراغة أكد لـ " شييك"أن الحركة النقابية العمالية في الأردن منذ تعديل السلطة التنفيذية لقانون العمل عام 1976، ولا سيما المادة 98 المتعلقة بتأسيس النقابات، والمعروفة بـ"التصنيف المهني". حُصر حق تأسيس النقابات بالمهنة الواحدة، وأُسندت صلاحية التصنيف إلى وزير الشؤون الاجتماعية والعمل آنذاك، ما أدى لتقليص عدد النقابات إلى 17 نقابة فقط، ولا تزال هذه القيود قائمة حتى اليوم. هنا
منذ اللحظة الأولى لطرح قضيتهم وحتى اليوم، يتمسّك العاملون في مصانع الأدوية بمطلب ثابت يتمثل في تأسيس نقابة مستقلة تشكّل مظلة قانونية فاعلة لصون حقوقهم و مكتسباتهم المهنية بحسب مراغة. لأن النقابة الحالية لا توفر تمثيلاً نقابياً منسجماً مع خصوصية قطاعهم، بسبب غياب التماثل المهني الذي "يعبر عن التشابه في المصالح والأهداف والتأهيل الذي يجعل من مجموعة مهنية معينة كياناً واحداً ومستقلاً" وتشتت التمثيل داخل إطار لا يعكس طبيعة الصناعات الدوائية. ولأن عملهم يختلف جوهرياً عن قطاعات البترول والكيماويات، ما يجعل مطلب النقابة المستقلة ضرورة مهنية وحقوقية وليست مجرد رغبة تنظيمية. وقد خاضوا على مدار سنوات طويلة سجالات متكررة مع حكومات متعاقبة، ونفذوا اعتصامات واحتجاجات متواصلة دفاعاً عن هذا الحق. هنا
يرى مراغة أن قطاع صناعة الأدوية قطاع علمي وتقني متخصص، ولا ينسجم تمثيله ضمن نقابة البتروكيماويات، ما يضعف قدرة العاملين فيه على الدفاع عن حقوقهم المهنية. ورغم ذلك، ترفض وزارة العمل تأسيس نقابة مستقلة لهم استناداً إلى قانون العمل، بحجة وجود نقابة مماثلة من حيث التصنيف المهني، رغم غياب التماثل الفعلي بين القطاعين.
وبعد قرار الرفض، اعتبر التجمع النقابي العمالي الديمقراطي الأردني أن القرار يمثل تجاوزاً صريحاً لقانون العمل، وانتهاكاً واضحاً للحقوق الدستورية والإنسانية، فضلاً عن مخالفته لالتزامات الأردن بموجب اتفاقيات العمل الدولية حيث خالف قرار منع إنشاء نقابات جديدة الدستور الأردني المادة 16/2 والمادة 128/1 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) المادة 8/1/أ والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) المادة 22/1 واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 لسنة 1949 اتفاقية الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية (C098)و إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل (1998) والميثاق العربي لحقوق الإنسان .هنا و هنا و هنا وهنا و هنا و هنا
حق التنظيم النقابي
تقول المحامية والناشطة الحقوقية أسمى عميرة لـ"شييك" إن الأردن شهد تطوراً مهماً في الحق النقابي، لا سيما بعد تعديلات عام 2011، وكان أبرزها قرار المحكمة الدستورية رقم (1) لسنة 2013 الذي شكّل محطة مفصلية بإقراره جواز إنشاء نقابات لموظفي القطاع العام، كما تجسّد في تجربة نقابة المعلمين رغم ما واجهته لاحقاً من تحديات قانونية هنا
وفقاً لعميرة، أكدت المحكمة الدستورية أن المادة 23 من الدستور تكفل حق التنظيم النقابي الحر، لكنها ربطت ممارسته بصدور تشريعات تنظمه، ما يجعل القانون في بعض الأحيان أداة تقييد وتعطيل للحق بدل أن يكون إطاراً لضمانه. هنا
وتنص المادة 128 من الدستور على حظر المساس بجوهر الحقوق والحريات عند تنظيمها قانوناً، وعليه فإن منع عمال مصانع الأدوية من تأسيس نقابتهم المستقلة يُعد انتهاكاً مباشراً للحق الدستوري في التنظيم النقابي، وحرماناً من تمثيل نقابي يتناسب مع خصوصية عملهم ومتطلبات السلامة المهنية بحسب عميرة.
حرمان بحماية قانونية
تُجسّد قضية عمال مصانع الأدوية في الأردن نمطاً متكرراً من القيود القانونية والإدارية على الحق في التنظيم النقابي، وهو ذات المسار الذي واجهته فئات أخرى كالأئمة والمؤذنين؛ فرغم إطلاقها عام 2011 لجنة تحضيرية لتأسيس نقابة بعد سنوات من تدهور أوضاعهم المعيشية والمهنية، ورغم وجود غطاء قضائي يجيز ذلك، بقي مشروع النقابة مجمّداً بعد سحبه من المسار التشريعي وإيداعه في ديوان التشريع وبيان الرأي حتى اليوم.هنا
حيث يُحرم نحو 8 آلاف عامل وعاملة بمصانع الأدوية من تأسيس نقابة مستقلة تمثل خصوصية مهنتهم المرتبطة مباشرة بالصحة العامة ومتطلبات السلامة المهنية، بسبب القيود المفروضة على الحق النقابي عبر التصنيف المهني وحصر النقابات في قطاعات محددة بموجب المادة 98 من قانون العمل، ما يعكس استمرار تقييد الحق النقابي وتحويله من ضمانة دستورية لامتياز محتكر بيد السلطة التنفيذية.
امتياز محتكر
اليوم وبعد أكثر من عقد على قرار الرفض، يؤكد أمين عام وزارة العمل الأسبق مدير المركز الأردني لحقوق العمل - بيت العمال حمادة أبو نجمة لـ"شييك" أن المادة 98 من قانون العمل تحصر تشكيل النقابات في 17 قطاعاً تحددها وزارة العمل، ما يُقصي عملياً أي فئة عمالية خارج هذا التصنيف من حق التنظيم النقابي. كما يمنح القانون وزير العمل سلطة قصر التمثيل على نقابة واحدة في كل قطاع، بما يحوّل الحق النقابي إلى احتكار قانوني ويمنع مئات الآلاف من العمال، خصوصاً في القطاعات الناشئة وغير المصنفة، من تأسيس نقابات تمثلهم، في مخالفة صريحة لمبدأ التعددية النقابية.
المعايير الدولية
لجنة معايير العمل التابعة لمنظمة العمل الدولية في أحدث تقاريرها الصادرة تحت عنوان "تطبيق المعايير الدولية للعمل 2025"، طالبت بإلغاء المادة 98 من قانون العمل الأردني، مشيرة إلى أن هذه المادة تتعارض مع مبادئ الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة. كما تتعارض مع مبادئ الاتفاقيات الدولية لحقوق العمال وتؤدي إلى احتكار نقابي قائم على 17 نقابة قطاعية تابعة لاتحاد واحد.
وأكدت اللجنة أن هذا النص يتعارض مع الحق الدولي في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحرية مستقلة عن أي قيود تتعلق بالقطاع أو الوظيفة، وبذلك يُحرم العديد من العمال من هذا الحق الأساسي. هنا و هنا
وزارة العمل على لسان الناطق الإعلامي باسمها محمد الزيود أكدت لـ"شييك" أن عمال قطاع الأدوية يخضعون لمظلة نقابة العاملين في المهن الصحية والطبية، وليس لنقابة العاملين في البترول والكيماويات. بموجب قانون العمل الحالي، الذي يمنع إنشاء أكثر من نقابة واحدة لكل قطاع، تُعتبر هذه النقابة الممثل القانوني لجميع العاملين في القطاع، ويحق لجميع العمال الانضمام إليها.
حرمان التمثيل
تؤكد عميرة أن عدم مصادقة الأردن على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 يُعد أساساً رئيسياً للقيود المفروضة على العمل النقابي، وهو ما يتجلى بوضوح في قضية عمال مصانع الأدوية، إذ رُفض تسجيل نقابتهم المستقلة استناداً إلى المادة 98/د من قانون العمل التي تمنح وزير العمل سلطة تصنيف القطاعات النقابية بشكل مغلق. وبذلك يُحرم آلاف العمال من اختيار ممثليهم بحرية ويُجبرون على الالتحاق بنقابات لا تعكس مصالحهم النوعية، بما يقوّض حقهم في التفاوض الجماعي المستقل، في مخالفة لمبادئ الحرية النقابية الملزمة لجميع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية.
إخراج العمال من مظلات الحماية الاجتماعية
تؤدي السياسات التي تمنع إنشاء نقابات جديدة إلى إبقاء آلاف العمال خارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية؛ إذ أشار النائب السابق ورئيس لجنة العمل في مجلس النواب الثامن عشر خالد رمضان عام 2022 إلى أن نحو 80% من القوى العاملة في الأردن غير منتسبين للنقابات، في ظل وجود مهن غير مصنفة يُحظر على العاملين فيها تأسيس نقابات، ما يفاقم سوء ظروف العمل ويزيد وتيرة الانتهاكات لغياب تمثيل نقابي فعّال يدافع عن حقوقهم.هنا
يرى أبو نجمة أن التشريع والتنفيذ في الأردن لا يزالان يعيقان التمتع الكامل بحق التنظيم النقابي، كما تؤكد ذلك تقارير لجنة الحرية النقابية ولجنة الخبراء في منظمة العمل الدولية، إلى جانب تقارير الاتحاد العربي للنقابات.
تقييد تشكيل النقابات
يشير أبو نجمة إلى أن المادة 98 من قانون العمل تحصر النقابات في 17 قطاعاً تحددها وزارة العمل، ما يحرم أي فئة عمالية خارجها من حق التنظيم. كما تمنح المادة الوزير سلطة قصر وجود نقابة واحدة لكل قطاع، مما يحوّل الحق النقابي إلى امتياز محتكر ويمنع مئات الآلاف من تأسيس نقابات أو الانضمام إليها، مع حظر تعدد النقابات في القطاع ذاته، في انتهاك لمبدأ التعددية النقابية. هنا
ترى المحامية عميرة أن المادة 98 من قانون العمل تتعارض مع العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادق عليه الأردن عام 2006 وأصبح جزءاً من القانون الوطني، إذ يكفل العهد في مادته 8 حق كل شخص في تكوين النقابات والانضمام إليها واختيار نقابات بحرية.هنا
الوحدانية النقابية
تفرض وزارة العمل نموذج "الوحدانية النقابية" بقصر النقابة على واحدة لكل قطاع، ما يتناقض مع حرية التنظيم المكفولة دولياً، ويتضح ذلك في قطاع مصانع الأدوية حيث يُحرم العمال من نقابة مستقلة تمثل خصوصية عملهم ومتطلبات السلامة، ويُجبرون على الانضمام لنقابات قد لا تعكس مصالحهم. وحصر النقابات في 17 تصنيفًا مهنيًا بقرار إداري يُعد مساسًا جوهريًا بحقهم النقابي وفق المعايير الدولية. من جهته، يؤكد الزيود أن قانون العمل يحمي جميع العاملين في القطاع الخاص، ويوفر قنوات رسمية لمتابعة الشكاوى وضمان الحقوق، أبرزها منصة "حماية الإلكترونية".
الحق النقابي رهينة القرار الإداري
يظل حق عمال مصانع الأدوية في تأسيس نقابة مستقلة مقيدًا بقرار إداري، رغم ارتباط مهنتهم بالصحة العامة، إذ تحول المادة 98 من قانون العمل الحق النقابي من ضمانة دستورية إلى امتياز محتكر يحرم آلاف العمال من التمثيل المستقل.هنا
يضع هذا الانتهاك الأردن في مواجهة التزاماتها الدستورية والدولية، ويكشف إخفاق الحكومات في حماية حقوق العمال، ليبقى قطاع واسع منهم بلا تمثيل أو مظلة قانونية تحمي مصالحهم.