أطفال التوحد في الأردن.. فجوات في الرقابة وكلف تفوق القدرة

image
صورة مولدة بتقنية ai
حقوق إنسان صحه 2026-04-13


الأردن 

فريق شييك

يرصد تقرير شييك واقع خدمات علاج أطفال التوحد في المملكة، مسلطاً الضوء على أزمة الارتفاع الفلكي للتكاليف، غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، والعجز عن إنزال النصوص القانونية إلى ميدان الممارسة.


بينما يكفل القانون الأردني والاتفاقيات الدولية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يواجه أطفال اضطراب طيف التوحد في المملكة واقعاً مغايراً يتسم بمحدودية خدمات التأهيل واتساع رقعة الانتهاكات غير المباشرة. يسلط هذا التقرير الضوء على الفجوة الكبيرة بين 'الحق' والاستحقاق'، حيث يواجه ذوو الأطفال تحديات اقتصادية واجتماعية قاسية نتيجة غياب الدعم الحكومي الفعّال وضبابية السياسات المتبعة. إنها رحلة توثيقية تكشف كيف يتحول غياب الدعم المؤسسي إلى عبء ثقيل يهدد حق هذه الفئة في الحياة الكريمة والدمج المجتمعي.








حين يتحول "التأهيل" إلى أداة للانتهاك الجسدي

في مقابلة أجرتها منصة شييك مع أسرته، كشفت عائلة أحمد (15 عاماً) عن فصول قاسية من معاناة بدأت بإنكار طبيعي لواقع حالته، وانتهت بصدمة حقوقية وقانونية. فمنذ أشهره الأولى، كانت الإشارات الصامتة التي يرسلها أحمد —مثل غياب التواصل البصري وعدم الاستجابة للأصوات— تومئ باختلافه، ليؤكد التشخيص لاحقاً إصابته بـ "اضطراب طيف التوحد".

"مجرد مكان للجلوس" تستذكر العائلة بمرارة رحلة التخبط بين مراكز الرعاية التي تفتقر للمعايير العلمية، وتؤكد في حديثها لـ شييك:

"لم نجد برامج تأهيلية حقيقية؛ كانت معظم المراكز التي قصدناها مجرد 'أماكن للإيداع'، حيث يُترك الطفل ليجلس لساعات دون أي خطة علاجية واضحة أو تطور ملموس في مهاراته".

شبهة انتهاك: "العلاج بالكهرباء" 

تطرقت شهادة العائلة في مقابلتها مع شييك إلى محطة صادمة، حيث كشفت عن تعرض أحمد لانتهاك جسدي داخل أحد المراكز المتخصصة عبر استخدام الصدمات الكهربائية" كأداة علاجية قسرية تحت ذريعة "تعديل السلوك".

وبرغم خطورة هذه الادعاءات، توضح منصة شييك أنه برغم محاولات معدّة التقرير، لم يتسنَّ لها الحصول على وثائق طبية أو أدلة مادية تؤكد رواية الأهل بشكل قطعي، كما تعذر الحصول على رد من الجهة المعنية نظراً لتقادم الواقعة؛ ومع ذلك، تُورد المنصة هذه الشهادة كجزء من توثيق المخاوف بشأن غياب الرقابة الصارمة على البروتوكولات العلاجية المتبعة في بعض مراكز التأهيل.


كلفة العلاج… حين يصبح الحق امتيازًا

لم تتوقف معاناة الأسر عند ضعف الخدمات، بل امتدت لتصطدم بحواجز مالية شاهقة. ففي الوقت الذي يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور في الأردن 290 ديناراً، تبدأ رسوم المراكز الأساسية من 250 إلى 300 دينار شهرياً كحد أدنى، مما يضع العائلات أمام معادلة مستحيلة: إما استنزاف موارد الأسرة بالكامل، أو ترك الطفل دون تأهيل.

أرقام صادمة وغياب للتجاوب

خلال إعداد هذا التقرير، حاولت معدّة التقرير التواصل مع عدة مراكز تأهيلية للحصول على قوائم أسعار واضحة، إلا أنها واجهت عدم تعاون ملحوظ. وبصعوبة، استطاعت شييك الحصول على معلومات من مركز واحد فقط (تحفظ على ذكر اسمه)، كشفت أرقامه عن فجوة مرعبة:

  • البرامج الفردية: قد تصل تكلفتها إلى 1350 ديناراً شهرياً (في حال الجلسات اليومية).

  • البرامج الجماعية: تبلغ تكلفتها نحو 750 ديناراً شهرياً، لدوام يمتد لست ساعات ونصف فقط.

هذه الأرقام تعني أن كلفة تأهيل طفل واحد قد تتجاوز دخل الفرد بأربعة أو خمسة أضعاف، مما يحول حق التأهيل من حق كفله القانون إلى "امتياز" لا تملكه إلا القلة.

أزمة "العمر" والرفض المؤسسي

مع تقدم أحمد في العمر ووصوله لسن الـ 15، واجهت أسرته فصلاً جديداً من التهميش؛ حيث ترفض المراكز استقباله كونه لا يزال بحاجة لرعاية خاصة في احتياجاته اليومية الأساسية ويعاني من تأخر في النطق.

وحتى في القطاع الحكومي، تؤكد الأسرة في مقابلتها مع شييك أن المراكز تشترط وجود "مرافق خاص"، وترفض التعامل مع الحالات التي تحتاج رعاية إضافية، مما يجعل هذه الفئة من الأطفال "منبوذة" تعليمياً وتأهيلياً داخل منظومة لا تقبل إلا الحالات "السهلة" أو "المربحة".



الانهيار الأسري… ضحية أخرى غير مرئية

تجاوزت آثار التحديات التي واجهها أحمد حدود حالته الفردية لتصل إلى استقرار أسرته؛ إذ أدى الضغط المادي والجهد النفسي المستمر، في ظل غياب المساندة الكافية، إلى تدهور الحالة النفسية للأم ومغادرتها المنزل.

لم يكن هذا الغياب مجرد حدث عائلي، بل شكل نقطة تحول أثرت مباشرة على سلوك أحمد؛ فالأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يعتمدون بشكل أساسي على الروتين والاستقرار العاطفي، ووجود شخص ثابت لمتابعة تفاصيل يومهم. ومع فقدان هذا الدور، غاب عنصر الأمان الأساسي، مما أدى إلى تراجع المهارات المكتسبة وزيادة السلوكيات الصعبة.

وفي ظل انشغال الأب لساعات طويلة لتأمين الاحتياجات المالية، وصغر سن الإخوة، بات أحمد يفتقر لبيئة المتابعة المنتظمة، مما يعكس كيف يؤدي ضعف منظومة الرعاية إلى تعميق أزمة الأسرة بأكملها.


من الحماية القانونية إلى الواقع المؤلم

رغم أن الإطار التشريعي في الأردن يبدو واضحاً في حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن حالة أحمد تكشف عن فجوة عميقة بين النص والتطبيق. فقد نصّ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 على مجموعة من الحقوق الأساسية، حيث تؤكد المادة (4) على مبدأ عدم التمييز وضمان تكافؤ الفرص، وهو ما يصطدم مباشرة مع واقع رفض بعض المراكز استقبال أحمد بحجة حاجته إلى رعاية خاصة.

هذا التناقض يمتد ليصل إلى أمن الطفل الشخصي، إذ تنص المادة (5) على حماية الأشخاص ذوي الإعاقة من أي شكل من أشكال العنف أو الإساءة، مما يضع الممارسات التي تعرض لها أحمد داخل بيئة يُفترض أنها علاجية تحت مجهر التساؤلات الجدية حول معايير السلامة والأمان. وفي الوقت الذي تؤكد فيه المادة (13) على الحق في الحصول على خدمات تأهيل شاملة وبجودة مناسبة، تظهر تجربة أحمد تخبطاً بين مراكز تفتقر للبرامج الحقيقية والنتائج الملموسة.

ولا تتوقف الفجوة عند الخدمات المباشرة، بل تمتد لتشمل الحماية الاجتماعية التي كفلتها المادة (22) للأسر؛ فالتفكك الذي حلّ بعائلة أحمد والضغوط التي أدت لخروج الأم من المنزل، يعكس غياب الدعم الفعلي الذي ألزمه القانون للدولة. إن هذه المفارقات تثبت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب التشريعات، بل في ضعف آليات التنفيذ والرقابة التي حوّلت الحق القانوني المكفول إلى عبء ثقيل تتحمله الأسر بمفردها.




حين تتحول الملاحظة إلى رحلة معاناة 

لم تكن قصة أحمد حالة معزولة، بل هي مرآة لنمط أوسع من التحديات، تروي فصوله "أم كيم" التي بدأت رحلتها بملاحظة عابرة من صديقاتها خلال زيارة لتهنئتها بمولودتها الجديدة؛ حيث لفت انتباههن سلوك ابنها الأكبر ونمط تفاعله غير المألوف. تلك الملاحظة كانت الشرارة التي دفعت الأم للبحث عن تفسير طبي، لتنتهي بصدمة التشخيص باضطراب طيف التوحد، وهي اللحظة التي تصفها لـ شييك بقولها: "كانت ردة فعلي بكاءً وعدم تقبل.. لم أكن مدركة لحجم الشيء".

إلا أن الصدمة النفسية سرعان ما اصطدمت بواقع مادي أكثر قسوة؛ حيث وجدت الأم نفسها أمام منظومة علاجية باهظة التكلفة، تبدأ أقساط مراكزها من 700 دينار شهرياً، وتتراوح في مستويات أخرى بين 350 و500 دينار، فضلاً عن جلسات إضافية تصل تكلفة الواحدة منها إلى 20 ديناراً. وتلخص "أم كيم" هذا الواقع بعبارة بليغة: "قد ما بتدفع، قد ما بتوخذ علاج"، في إشارة واضحة إلى ارتهان جودة الخدمة بالقدرة المالية للأسرة.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الوصمة الاجتماعية وغياب الوعي؛ إذ تصف الأم شعور العزلة نتيجة مواقف المحيط التي تقتصر على "التعاطف فقط" أو "لحظات الاستهجان" تجاه طفل يمتلك "جسداً كبيراً لكنه لا يتكلم". وفي محاولات الدمج، تصطدم الأم بعقبات إضافية تجعل من التعليم عبئاً يستنزف الموارد، حيث تصف المدارس بأنها تنظر للأهل كـ "جيبة مفتوحة وبئر لا ينضب من المال"، بينما تعزف المراكز على "الوتر الموجع" للأسر التي لا تملك خياراً سوى الاستمرار تجنباً لتراجع مهارات أطفالها.

هذا التحدي المستمر يبرز فجوة صريحة بين نصوص قانون الطفل الأردني رقم 17 لسنة 2022، الذي كفل الحق في الرعاية والتأهيل والتعليم، وبين الواقع الذي يحوّل هذه الحقوق إلى مسؤولية فردية مرهقة. إن تجربة "أم كيم" تؤكد أن رحلة العلاج في الأردن تظل بلا أفق زمني واضح أو نتائج مضمونة، مما يعزز الاستنتاج بأن غياب منظومة الدعم المتكاملة يترك الأسر وحيدة في مواجهة مصير أطفالها.



ما هو اضطراب طيف التوحد؟

لكي نفهم حجم التحديات التي تواجهها الأسر، لا بد من العودة إلى التعريف العلمي الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية؛ إذ تُصنف اضطرابات طيف التوحد كـ "اضطرابات نمائية عصبية"، تنجم عن اختلافات في طريقة نمو الدماغ وعمله.

ويعد هذا المصطلح مظلة جامعة لمجموعة من الحالات التي كانت تُصنف سابقاً بشكل منفصل، ومنها "متلازمة أسبرغر" التي لا يزال البعض يستخدم مصطلحها للإشارة إلى الحالات التي تمثل الطرف الأخف في سلسلة الاضطراب. هذا التنوع في "الطيف" هو ما يجعل لكل طفل احتياجات تأهيلية خاصة وفردية، وهو ما يفسر حاجة حالات مثل "أحمد" و"ابن أم كيم" إلى برامج تخصصية دقيقة تتجاوز مجرد "الإيداع" في مراكز غير مؤهلة، مما يضع علامات استفهام حول قدرة المراكز الحالية على تقديم رعاية علمية تواكب هذه التعقيدات النمائية.




فجوة الأرقام: حين تغيب البيانات وتتعثر الإمكانيات

في محاولة لتقصي حجم التحدي، اصطدمت معدّة التقرير بغياب المرجعية الإحصائية الدقيقة؛ ففي تواصل لـ شييك مع دائرة الإحصاءات العامة، تبيّن عدم توفر بيانات رسمية توضح العدد الإجمالي للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد أو توزيعهم الجغرافي على المحافظات. هذا الغياب للبيانات يعيق بدوره رسم سياسات وطنية فعالة، ويترك التقديرات رهينة لتقارير محلية تشير إلى وجود ما بين 8,000 و10,000 حالة في المملكة، يقابلها عجز مؤسسي واضح بوجود 12 إلى 18 مركزاً متخصصاً فقط على مستوى البلاد.هنا،هنا،هنا

التربية والتعليم: رصد متأخر وقدرات محدودة

وضعت التصريحات الرسمية الأخيرة هذا الملف تحت مجهر المساءلة؛ ففي مقابلة تلفزيونية أجريت في عام 2025، كشف الدكتور محمد الرحامنة، مدير مديرية برامج ذوي الإعاقة في وزارة التربية والتعليم، عن تسجيل نحو 1400 حالة فقط في مدارس الوزارة. وأقرّ الرحامنة بمحدودية القدرة الاستيعابية، حيث لا يتجاوز عدد المدارس "الدامجة والمهيأة" لاستقبال الطلبة ذوي الإعاقة 250 مدرسة على مستوى المملكة.

ولعل أخطر ما كشف عنه التصريح هو "تأخر الرصد"؛ إذ أوضح أن غالبية الحالات لا تُكتشف إلا عند سن الالتحاق بالمدرسة أو رياض الأطفال، مما يهدر فرص "التدخل المبكر" التي يوصي بها الخبراء عالمياً. وبحسب الرحامنة، فإن دور الوزارة يقتصر على التعامل مع الحالات بعد اكتشافها، ولا يمتد لمرحلة التشخيص، ما يضع الأسر في "تيه" مؤسسي بين تشخيص متأخر وخدمات تعليمية دامجة لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياج الفعلي.




اعتراف بالفجوات وجهود قيد الاختبار

في تصريح  لمنصة شييك، أوضح المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأن واقع الخدمات المقدمة لاضطراب طيف التوحد في المملكة لا يزال يواجه تحديات جسيمة. وأشار المجلس إلى أزمة "التوزيع الجغرافي"؛ إذ تتركز المراكز المتخصصة في المدن الكبرى (عمان، إربد، الزرقاء)، بينما تعاني محافظات الجنوب ومناطق البادية من نقص حاد في الخدمات، ما يضع الأسر أمام خيارين كلاهما مرّ: إما قطع مسافات طويلة وشاقة، أو الارتهان للقطاع الخاص بتكاليفه المرتفعة.


منظومة الترخيص وحلول "عن بُعد"

وتتوزع مسؤولية الإشراف على هذه المراكز —بين القطاعين الحكومي والخاص والتطوعي— تحت مظلة وزارتي التنمية الاجتماعية والتربية والتعليم. وفي هذا الإطار، يوضح المجلس لـ شييك سعيه لتنظيم عمل هذه المراكز عبر تطوير معايير الاعتماد وإجراء تقييمات دورية لضمان جودة الخدمة، إلى جانب إرشاد أولياء الأمور نحو المراكز المؤهلة.

وفي محاولة لسدّ ثغرة الوصول إلى الخدمات في المناطق البعيدة، أشار المجلس إلى تقديمه استشارات تربوية "عن بُعد" عبر منصة "حبايبنا"، والتي استفادت منها 192 أسرة حتى الآن. ومع أهمية هذه الخطوات الرقمية، إلا أنها تبقى حلولاً جزئية أمام محدودية عدد المراكز على أرض الواقع، وفجوة الاحتياجات المتزايدة التي رصدها التقرير.



يواجه أطفال اضطراب طيف التوحد في الأردن تهميشاً مركباً بسبب ارتفاع كلف التأهيل التي تتجاوز دخل الأسر بعدة أضعاف، وسط غياب الرقابة الفاعلة التي تضمن جودة البرامج العلاجية وتحمي الأطفال من أي ممارسات غير معتمدة.


organic