الأردن
فريق شييك
أثار تغيير اسم حزب "جبهة العمل الإسلامي" في الأردن إلى "حزب الأمة" خلال جلسة استثنائية للمؤتمر العام للحزب عقدها يوم 18 نيسان/أبريل 2026، تفاعلًا واسعًا على منصة "إكس"، حيث تراوحت ردود الفعل بين نقد سياسي لطريقة التغيير وطبيعة الحزب ونشاطه، وبين عبارات توجّه اتهامات سلبية مباشرة للحزب، في ظل موجة من الانتقادات الحادة عقب إعلان القرار.
وشهد الفضاء الإلكتروني في هذا السياق تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة الخطاب المتداول، إذ لم تقتصر التفاعلات على النقاش السياسي، بل امتدت إلى استخدام المغردين أوصافًا ونعوتًا تحمل طابعًا مهينًا وتحقيريًا، مع دلالات إقصائية ولغة حادة.
ما يطرح تساؤلات حول حدود حرية التعبير وضوابط الخطاب العام على منصات التواصل الاجتماعي؟
صورة من المؤتمر العام للحزب وإعلانه تغيير اسمه لحزب "الأمة"
تحليل الاستقطاب الرقمي
رصدت معدة التقرير عينة عشوائية من التغريدات المتداولة على منصة "إكس" بين تاريخ 18-19 نيسان/أبريل 2026، إذ تبيَّن من خلال تحليل أداة Chayyek Ai للعينة أن هذه التغريدات تتضمن خطاب كراهية بسبب احتوائها على أنماط إهانة مباشرة. فقد استخدمت تعابير مسيئة تتضمن شتائم وتحقير بشكل مباشر مثل "مقزز"، "غير أخلاقي"، "الأنجاس"، كما حللت الأداة وجود ألفاظ وعبارات تنزع صفة الإنسانية عن الحزب مثل "أفاعي الصحراء"، "عقارب الظلام"، وأظهرت وجود عبارات تخوين واتهام بالعمالة مثل "الخونة"، "حزب أعداء الأمة"، "ميليشيا"، إضافة إلى عبارات تحريض ضمني مثل "حزب دمار الأمة"، "حزب خارب الأمة"، "مثيرو الفتنة".
ويشير هذا التحليل إلى أن الخطاب المتداول اتجه في جزء منه نحو أنماط لغوية تحمل سمات عدائية واضحة، شملت الإهانة المباشرة ونزع الإنسانية والتخوين، وهو ما يعكس تصاعدًا في حدة الاستقطاب الرقمي.
العينات: هنا، هنا، هنا، هنا،هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا
بعض العينات من التغريدات المسيئة
في المقابل، ردّ عدد من مؤيدي الحزب على هذه التغريدات، معتبرين أنها تندرج ضمن محاولات "شيطنة" تستهدف الحزب ونشاطه السياسي، ولن تؤثر في حضوره أو امتداده. وأكدوا دعمهم لقرار تغيير الاسم، واعتبروه خطوة في اتجاه التجديد وإعادة التموضع السياسي، بما يعزز جاهزية الحزب لخوض الانتخابات النيابية المقبلة. هنا،هنا
بعض العينات من التغريدات المؤيدة
نقد سياسي
اعتبر الإعلامي طارق ديلواني في تغريدة نشرها على موقع "إكس" أن قرار تغيير اسم الحزب يمثل خطوة إيجابية من حيث الشكل السياسي، إلا أنه انتقد مضمونه، معتبرًا أنه لم يتجاوز كونه تغييرًا شكليًا لا يعكس تحولًا حقيقيًا في الهوية أو الخطاب. وأشار إلى أن الحزب ما يزال، برأيه، أسيرًا لمرجعياته الفكرية السابقة، مع غياب واضح للبعد الوطني في الطرح والشعارات، ما يجعل الخطوة أقرب إلى "نصف تحول" لم يكتمل بعد، بانتظار ممارسات فعلية تعكس تغييرًا جوهريًا في التوجه والأداء السياسي.
من جانبه بيَّن الكاتب الصحفي حسين الرواشدة في تغريدة نشرها على موقع "إكس" أن تغيير اسم الحزب جاء شكليًا دون أن يعكس تحولًا حقيقيًا في خطابه أو بنيته، مشيرًا إلى استمرار الرموز والمرجعيات ذاتها. ورأى أن مستقبل الحزب مرهون بقدرته على إحداث تغيير فعلي في سلوكه السياسي وعلاقته مع الدولة، مؤكدًا أن تغيير الاسم وحده لا يكفي لإثبات جدية التحول.
بعض العينات وجهت نقد سياسي
دلالات العبارات المستخدمة
يوضح الجدول دلالات العبارات والألفاظ المستخدمة في التغريدات تجاه "حزب الأمة"، فقد بيّنت نتائج تحليل Chayyek Ai أن جزءًا من المضامين المتداولة تجاوز إطار النقد السياسي، وانتقل إلى خانة خطاب الكراهية، لا سيما في الحالات التي تضمنت إهانات مباشرة ووصمًا جماعيًا.
"الكراهية" في التفاعل الرقمي
بالاستناد إلى المعايير الواردة في الجدول، يظهر أن تصنيف جزء من هذه التغريدات ضمن خطاب الكراهية لم يكن نتيجة استخدام الإهانة المباشرة وحسب، بل لارتباطها بأنماط أوسع من الخطاب العدائي. فقد استهدفت المضامين الحزب ككيان سياسي بشكل جماعي، لا أفرادًا بعينهم، مع توظيف لغة تعميمية تُسقط صفات سلبية مطلقة على جماعة كاملة، إلى جانب استخدام وسوم تحقيرية تُحمّله دلالات أخلاقية وسياسية سلبية.
كما أظهر التحليل حضور مؤشرات تحض على نزع الشرعية والتجريم، من خلال توصيف الحزب كخطر أو تهديد، بما يتقاطع مع أنماط التحريض الضمني، ويعكس هذا التداخل بين الإهانة المباشرة والوصم الجماعي والتأطير التهديدي انتقال الخطاب من مستوى السبّ والشتم إلى خطاب كراهية أكثر تركيبًا، يساهم في تعزيز بيئة رقمية مشحونة بالاستقطاب والتوتر.
سلوك تحريضي
خلال عملية الرصد والتحليل الرقمي، سُجّل نشاط حساب 'خديجة الدعجة' (@kadooj_25) بتاريخ 19 أبريل 2026، حيث أحدثت تغريدتان -حصدتا تفاعلاً تجاوز 700 إعجاب- سلسلة تفاعلية نتج عنها 12 تغريدة إضافية تمحورت حول انتقادات حادة لـ 'حزب الأمة'. وقد اعتمد المحتوى المنشور في طروحاته على ربط الحزب بسياقات تاريخية معينة واستخدام مصطلحات سياسية نقدية، وهو ما يتقاطع -من منظور تحليلي- مع الأنماط السلوكية التي أظهرها الحساب منذ عام 2019، والتي اتسمت بتبني لغة تصنيفية وتكرار الإشارة إلى أطراف سياسية محظورة. وبناء على منهجية 'شييك' في تصنيف المحتوى، يندرج هذا النشاط ضمن فئة 'المحتوى المتكرر'، حيث تتقاطع طبيعة الطرح مع بنود المادة (150) من قانون العقوبات الأردني. هنا، هنا
يُوثّق الجدول أدناه الكلمات المحرّضة في التغريدتين من 'خديجة الدعجة' مُصَنِّفاً إياها حسب نوع الانتهاك وتأثيرها التحريضي وفق معايير شييك.
تأطير إعلامي
رغم خلو تغطية الإعلام التقليدي من تحريض صريح ينتهك معايير اليونسكو لتنمية الإعلام (مثل مبدأ "الموضوعية والتنوع") أو المادة 150 من قانون العقوبات الأردني، إلا أن مقالات في "حفريات" و"إندبندنت عربية" استخدمت آليات التأطير الإعلامي لتصوير تغيير اسم "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" كـمحاولة تحريب إخوانية"، مما أوجد سياقاً سلبياً تراكمياً* غذّى تغريدات كراهية على منصة إكس.
هذا التأطير الانتقائي ينتهك مبدأ "تحديد الأجندة" (Agenda-Setting - McCombs & Shaw) باختيار "الإخوان المحظورة" كمحور تفسيري أساسي، مع استبعاد وجهات نظر داعمة (مثل تصريحات الحزب عن "استمرارية الهوية")، مما يخلق "تمفصلاً مزدوجاً" (double bind): الحزب مُهدّد قانونياً وغير موثوق سياسياً.
اللغة الساخرة ("عباية/زلزال") تُفعّل "نظرية الاستزراع العاطفي" (emotional priming) حيث تُحوّل القارئ من متلقٍ محايد إلى منتقد عاطفي، مشابهة لتقارير "سكايز ميديا" عن الإعلام اللبناني الذي صوّر اللاجئين كـ"أصل الانهيار الاقتصادي" دون تحريض مباشر.
يُولد السياق الإعلامي السلبي الذي شكّلته تغطية "حفريات" و"إندبندنت عربية" - عبر تأطير تغيير اسم "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" كـ"تحريب إخواني" ("عباية"/"زلزال") - تضخيم التحيزات المُسبقة ضد الإسلاميين، مُخلقاً مناخاً خصباً لانتشار 14 تغريدة كراهية على إكس مساء 19/4/2026، مُثبتاً أن التأطير الإعلامي الانتقائي يُشكّل محركاً غير مباشر لخطاب الكراهية عبر استزراع عاطفي وإطار تهديدي، كما يُحذّر دليل اليونسكو من "التأثير التراكمي للتغطية غير المتوازنة" على التماسك الاجتماعي.
السياق السياسي والإعلامي
جاء تغيير اسم الحزب في سياق استجابة مباشرة لمتطلبات الهيئة المستقلة للانتخاب التي طالبت الحزب بتغيير التسمية في 26 شباط/فبراير 2026، بوصفه جزءًا من مراجعة أوسع لأوضاع الأحزاب السياسية في الأردن.
وصادق المؤتمر العام للحزب على التعديلات التي أقرّها مجلس الشورى بتاريخ 18 نيسان/أبريل 2026، وشملت تغيير الاسم من "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" وتضمنت الأهداف والغايات والنظام الأساسي، مع تفويض المكتب التنفيذي ولجنة التعديلات باستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
وكانت عملية تصويب أوضاع الحزب—الذي يُعد من أكبر الأحزاب تنظيمًا في الأردن—قد بدأت منذ حزيران/يونيو 2025، إلى جانب عدد من الأحزاب الأردنية الأخرى، قبل أن يصدر طلب رسمي بتغيير التسمية في 26 شباط/فبراير 2026، استنادًا إلى أحكام قانون الأحزاب الأردني لسنة 2022 التي تحظر تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو طائفية.
ويأتي هذا التحول في أعقاب تطورات سياسية وقانونية لافتة، أبرزها انفصال الحزب عن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، التي حُلّت بقرار رسمي في 23 نيسان/أبريل 2025، مع حظر أنشطتها تنفيذًا لحكم قضائي، ما وضع الحزب أمام تحديات إعادة التموضع وإعادة تعريف هويته ضمن الإطار القانوني والسياسي الجديد.
صورة من المؤتمر العام للحزب وإعلانه تغيير اسمه لحزب "الأمة"
تأثير الخطاب على التماسك المجتمعي
يُظهر تحليل الخطاب المتداول أن له انعكاسات مباشرة على مستوى التماسك المجتمعي، حيث يتضح تصاعد حالة من الاستقطاب الرقمي بين فئتي المؤيدين والمنتقدين، بما رافقه من تبادل للوصمات والتصنيفات الأخلاقية والسياسية، الأمر الذي عمّق الفجوة في النقاش العام حول الحزب.
كما برزت في بعض التفاعلات ممارسات أقرب إلى "المحاكم الشعبية الرقمية"، من خلال دعوات إلى إجراءات عقابية مثل "سحب الجنسيات" أو إطلاق أحكام أخلاقية جماعية، (هنا،هنا) وهو ما يعكس اتساع منطق العقوبة الجمعية داخل الفضاء الافتراضي. إلى جانب ذلك، يشير هذا النمط من الخطاب إلى تأثيرات ممتدة المدى، إذ إن تطبيع خطاب الكراهية في السياق السياسي من شأنه أن يضعف الثقة العامة بالأحزاب والمؤسسات السياسية، ويُسهم في تراجع ثقافة النقد القائم على الحجة والتحليل لصالح خطاب الانفعال والتجريم، بما ينعكس سلبًا على جودة الحوار العام.
البعد القانوني في الأردن
تنص المادة 150 من قانون العقوبات الأردني على تجريم كل فعل أو قول أو كتابة من شأنه المساس بالوحدة الوطنية أو الإخلال بالانسجام بين مكونات المجتمع، بما في ذلك إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو التحريض على النزاع بين الطوائف أو مختلف فئات المجتمع. وتحدد المادة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة لا تتجاوز مئتي دينار، لكل من يرتكب هذه الأفعال أو يساهم فيها.
ويمكن النظر إلى هذا النوع من التعبيرات الواردة في التغريدات المسيئة، متى ما ورد في سياق تعبوي أو تحريضي، باعتباره أقرب إلى أنماط خطاب الكراهية، بما قد يخرجه من نطاق النقد السياسي إلى دائرة المساس المحتمل بالسلم المجتمعي كما ينظمه القانون.
(المادة 150) من قانون العقوبات الأردني
الإطار الدولي لحرية التعبير
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 19، الفقرة (3)، على أن حرية التعبير يمكن تقييدها قانونيًا عندما يكون ذلك ضروريًا لحماية حقوق الآخرين أو النظام العام أو الأمن القومي، بما يعني أن النقد السياسي يظل مكفولًا ما لم يتجاوز حدوده إلى الإضرار بالمصلحة العامة أو حقوق الغير. وفي سياق هذا التقرير، يظهر ذلك في الحالات التي خرج فيها الخطاب من نطاق النقد إلى توصيفات جماعية حادة أو مسيئة قد تسهم في تأجيج الاستقطاب.
أما المادة 20، الفقرة (2)، فتلزم بحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو الدينية أو العنصرية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العنف. وينعكس ذلك على بعض المضامين التي رُصدت في التقرير عندما اتجهت إلى خطاب وصمي أو تحريضي قد يعزز الكراهية والانقسام الاجتماعي.
(المادتان 19 و20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
النتيجة