أقل من طبيب لكل 100 ألف نسمة: واقع منظومة الصحة النفسية في الجامعات الأردنية

image
صورة مولدة بتقنية ai
حقوق إنسان صحه 2026-05-11

الأردن

 فريق شييك 


أقل من طبيب لكل 100 ألف نسمة؛ يرصد تقرير شييك أزمة الصحة النفسية في الجامعات الأردنية، ويكشف فجوة حادة بين محدودية الكوادر ووصمة العار التي تلاحق الطلبة. 


تُكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الأردنية عن فجوة حادة في الموارد البشرية المتخصصة، حيث تشير البيانات إلى وجود أقل من طبيب نفسي واحد ونحو 0.13 ممرضة نفسية لكل 100 ألف نسمة. هذا النقص يضع عبئاً ثقيلاً على كاهل الطلبة في الجامعات الذين يواجهون تحديات نفسية متزايدة. وسط منظومة تحاول سد الفجوة بأدوات بسيطة، وهو ما تجسد في رحلة بحث راما عن التوازن. "اكتب ما تشعر به " جملة قصيرة كانت كفيلة بأن تفتح أمام راما (اسم مستعار)، طالبة في إحدى الجامعات الرسمية، بابًا غير متوقع نحو تجربة علاج نفسي داخل عيادة جامعية، تقول إنها لم تكن واضحة المعالم منذ البداية. 

تروي راما لـ شييك أن زيارتها الأولى للعيادة بدأت بطلب بسيط: تدوين ما تشعر به على ورقة، كجزء من تقييم حالتها النفسية. وتضيف: “طلب مني أكتب كل اللي حاسس فيه، كأنه تفريغ لكل هموم الدنيا على ورقة وحدة”. 

لكن ما تصفه راما لا يتوقف عند حدود الكتابة فقط. فبحسب روايتها، تحوّل هذا التمرين السريع إلى ما تعتبره تشخيصًا شبه فوري، إذ تقول: “كان الدكتور يقرأ أول سطر وآخر سطر، وبيرجع الورقة وبقلي: كويل وفافرين”. 

هذا التوصيف يشير إلى وصف دوائي يتضمن “كويتيابين” (Quetiapine) و“فلوفوكسامين” (Fluvoxamine)، وهما يُستخدمان ضمن بروتوكولات علاجية في حالات نفسية محددة مثل الوسواس القهري أو القلق الشديد، وتحت إشراف طبي متخصص، نظرًا لتأثيرهما على توازن كيمياء الدماغ واستجابتهما العلاجية التدريجية. 

حاولت راما، بحسب روايتها، أن تفتح مساحة للنقاش حول خيارات علاجية أخرى غير الدواء، متسائلة عن إمكانية التوجه نحو العلاج السلوكي بدل الاعتماد المباشر على الأدوية. تقول: “طيب بدي أشكي، بدي تعالجني سلوكي، ما بدي دوا”. 

لكنها تروي أن الرد جاء حاسمًا من الطبيب: “أنا دكتور أخصائي دارس في... وفي... بدك تعلمني؟”. 

وتضيف أن الطبيب شرح لها حالتها بطريقة مختصرة: “عندك نقص مادة بالدماغ”، وهو توصيف تقول راما إنها لم تتقبله، لترد عليه بالقول: “هو إنت شايفني مجنون أو عندي ذهان؟ كلهم شوية اكتئاب”. 

وتختم راما تجربتها كما ترويها لـ شييك بعبارة تعتبرها الأكثر حدة في الجلسة: “هاي اللي عندي، مش عاجبك شوف لك دكتور خاص برا”.

تشخيص واحد.. اكتئاب للجميع

“اكتئاب”… هكذا يصف عمر (اسم مستعار)، طالب جامعي، ما يعتبره التشخيص الأكثر تكرارًا في عيادة الطب النفسي داخل جامعته، رغم اختلاف الحالات وتنوع الأعراض بين المراجعين.

يقول عمر لـ شييك: “أنا شخصيًا أعاني اضطراب الشخصية الحدية، حكولي إنو عندي اكتئاب رغم إنهم بيختلفوا… كلهم بتم صرف أدوية إلهم، صرفولي أدوية بس ما أخذتهم”.

ويصف عمر تجربة الجلسات بأنها سريعة ومحدودة الزمن، قائلاً: “الجلسات قصيرة لا تتجاوز نحو 10 دقائق، بسألو أسئلة تافهة وبعدين بوصفوا أدوية الاكتئاب”، مشيرًا إلى أن ذلك يحدث في ظل اكتظاظ العيادة وكثافة المراجعين.

كما يضيف أن الخدمات المقدمة تفتقر إلى المتابعة الطبية الكافية، لافتًا إلى أن ملفات الطلبة تبقى ضمن نظام العيادة الداخلي دون أن تُدرج في نظام صحي موحد مثل “حكيم”.

وبينما يعبر عن عدم قناعته بما تقدمه عيادة الجامعة، يشير إلى أنه لجأ إلى طبيبة في القطاع الخاص، قائلاً: “رحت على طبيبة من القطاع الخاص وكان حل مشكلتي مش بس أدوية، نصائح في تغيير نمط الحياة، كلفني الموضوع 1200 دينار، بس أنا قدرت أدبر هذا المبلغ، في ناس ما معهم فبكونوا مجبورين على العلاج في عيادة الجامعة لأنو في تأمين صحي للطلاب”

فجوة تشخيص 

تتقاطع شهادات الطلبة حول تجربتهم مع عيادات الطب النفسي في الجامعات عند سؤال واحد غير مباشر: كيف يُفهم الألم النفسي ويُشخّص داخل بيئة تعليمية مزدحمة وضاغطة؟

تُعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها حالة من الرفاه النفسي تمكّن الأفراد من التعامل مع ضغوط الحياة، وإعمال قدراتهم، والتعلم والعمل على نحو جيد، والإسهام في مجتمعاتهم المحلية، مؤكدة أنها تنطوي بحكم طبيعتها على قيمة أساسية، وتعد حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.


لكن الشهادات التي رواها طلبة جامعيون (بأسماء مستعارة) تعكس فجوة بين هذا التعريف المعياري وبين واقع الخدمات المقدمة داخل بعض العيادات الجامعية.

في حالات متعددة، تكررت ملاحظات حول سرعة التشخيص وقصر مدة الجلسات، حيث يصف طلبة أن الزيارات لا تتجاوز دقائق معدودة، وسط ضغط كبير وازدحام في عدد المراجعين، ما ينعكس—بحسب رواياتهم—على طبيعة التقييم النفسي ويميل به نحو وصفات دوائية أكثر من كونه مسار متابعة علاجية متكاملة.

هذه الشهادات تفتح نقاشًا أوسع حول نموذج التقييم النفسي داخل عيادات الجامعات، بين الاعتماد على تدخل دوائي سريع وبين الحاجة إلى استماع أعمق وتشخيص أكثر شمولية يراعي الضغوط الأكاديمية والاجتماعية التي يواجهها الطلبة، بدل اختزال التجربة في أعراض آنية فقط.

وفي سياق موازٍ، تشير معطيات إلى أن بعض الجامعات الخاصة اتجهت إلى إنشاء مراكز متخصصة للصحة النفسية داخل الحرم الجامعي، تقدم جلسات إرشاد فردية وجماعية، وورش عمل تدريبية، وتقييمات متخصصة تهدف إلى دعم الطلبة في التعامل مع الضغوط وتحسين جودة حياتهم. وتتميز هذه الخدمات—بحسب ما هو متاح—بسرية أعلى ورسوم رمزية تسهّل الوصول إليها، إضافة إلى إتاحة فرص تدريب لطلبة الإرشاد النفسي ضمن بيئة تطبيقية. 




الصحة النفسية حق 

في المقابل، يؤكد عميد كلية الطب في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد عبد الحميد القضاة، أن الكليات توفر منظومة دعم نفسي وأكاديمي تشمل مرشدين و استشارات مجانية مع أطباء مختصين، مع قنوات تواصل متاحة للطلبة، إلا أن الإقبال عليها لا يزال محدودًا.

وفي حديثه لـ"شييك"، أشار القضاة لوجود ممارسات علاجية تستدعي المراجعة، قائلاً: "بعض الزملاء يبدأون العلاج الدوائي بشكل مباشر، وهذا ربما لا يكون الخيار الأفضل للمراجعين، لأن جزءًا كبيرًا منهم يحتاج أولًا لمن يستمع إليه ليبني الثقة بالعلاج".

ولفت لوجود فجوة في الكشف المبكر عن الحالات النفسية، ما يؤدي لتأخر التدخل وتعقيد العلاج، داعيًا لتعزيز آليات الرصد داخل الجامعات لضمان التعامل المبكر والفعّال مع الحالات.

في السياق الحقوقي، أكدت الدكتورة نهلا المومني، مفوض الحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان، لـ "شييك"  أن الصحة النفسية تُعد جزءًا أساسيًا من الحق في الصحة وفق المعايير الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يكفل التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة الجسدية والعقلية، ما يجعلها ضمن الالتزامات الحقوقية للدول.  

أرواح تحت الضغط

تحولت ممرات مستشفى الجامعة الأردنية في شهري مارس وأبريل 2026 إلى مسرح لفواجع متتالية هزت المجتمع الأكاديمي والطبي؛ ففي 20 مارس، أنهت طالبة السنة السادسة في كلية الطب 'روضة مصطفى' حياتها بعد تقارير عن رفض قسم الإرشاد النفسي مساعدتها فوراً، تلتها في مطلع أبريل محاولة انتحار طبيب مقيم في اختصاص العيون ألقى بنفسه من الطابق الرابع ونجا بأعجوبة. ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ فُجع الوسط الطبي بوفاة الطبيب الشاب 'عبدالله حسام' (زيد الكيلاني) في 25 مارس، ما فجر غضباً شعبياً وتساؤلات برلمانية من قبل النائب حسين العموش حول 'ساعات العمل غير الإنسانية' والابتزاز الإلكتروني، في ظل منظومة صحية توفر أقل من طبيب نفسي واحد لكل 100 ألف نسمة، مما يترك الأطباء والطلبة في مواجهة منفردة مع ضغوط مهنية ونفسية قاتلة.



مؤشرات هشاشة 

في حين لا ينص الدستور الأردني صراحة على الصحة النفسية، تُعد هذه الأخيرة وفق المواثيق الدولية حقًا أساسيًا وركيزة لكرامة الإنسان، حيث تلتزم الدول بضمان نظام صحي شامل وعادل يراعي الجوانب النفسية والاجتماعية. وتنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية صراحة على “حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه”، إلى جانب توجيهات منظمة الصحة العالمية في هذا المجال.

تتقاطع تقارير رسمية ودولية في توصيف واقع الصحة النفسية في الأردن، مشيرة إلى منظومة تواجه ضغطًا متصاعدًا تعكسه مؤشرات مقلقة. ووفق معهد القياسات الصحية والتقييم، وهو معهد متخصص في البحوث العالمية مقره واشنطن، سُجّل نحو 15,412 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2021. ورغم هذا العبء، ما تزال الخدمات تعاني من محدودية في الجاهزية والاستجابة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة النظام على مواكبة التحديات المتنامية.

وتتعمق فجوة الإمكانات عند النظر إلى الموارد البشرية، إذ تشير بيانات وزارة الصحة الأردنية إلى وجود أقل من طبيب نفسي واحد، ونحو 0.13 ممرضة نفسية لكل مئة ألف نسمة، ما يعكس قصورًا حادًا في القدرة على تقديم الرعاية ويُبقي أعدادًا كبيرة من المحتاجين خارج نطاق الخدمات.

وبحسب الجمعية الأردنية لعلم النفس، فإن مقارنة تداعيات الاضطرابات النفسية في الأردن بدول مثل إسبانيا وإيطاليا وتركيا والولايات المتحدة تكشف عن فجوة أعمق، حيث تتداخل محدودية الكوادر مع عوامل اجتماعية، في مقدمتها وصمة العار المرتبطة بطلب الدعم النفسي في المجتمعات العربية.

أما على مستوى البنية التحتية، فتشير معطيات وزارة الصحة إلى محدودية واضحة، إذ لا يتجاوز عدد العيادات الخارجية للصحة النفسية 64 عيادة على مستوى المملكة، بينها عيادة واحدة فقط مخصصة للأطفال واليافعين. كما تتركز معظم أسرّة مستشفيات الأمراض النفسية بمعدل 8.2 سرير لكل 100 ألف نسمة، في حين تكاد خدمات الإقامة المجتمعية تكون شبه غائبة بمعدل لا يتجاوز 0.03 وحدة لكل 100 ألف نسمة، ما يعكس خللًا بنيويًا في شمولية الرعاية.




وتكشف مؤشرات منظمة الصحة العالمية ضمن المبادرة الخاصة بالصحة النفسية عن تقدم نسبي يقابله استمرار فجوة في التغطية، إذ جرى تدريب 1,120 كادرًا وتوزيعهم على 278 مركزًا صحيًا، لكن التغطية لا تتجاوز 41% من الرعاية الأولية. ورغم ارتفاع عدد العيادات إلى 66 منذ عام 2022، يبقى الوصول محدودًا، ما يعكس فجوة بين توسع الخدمات وضعف شموليتها للفئات الأكثر حاجة.

في هذا السياق، يؤكد الدكتور القضاة أن واقع الصحة النفسية في الجامعات لا يمكن فصله عن سياقات أوسع تبدأ من مخرجات الأسرة والمدرسة وتمتد إلى داخل الحرم الجامعي، مشيرًا إلى أن ظواهر مثل التنمر والتفاوت الطبقي والقيمي تسهم في خلق صراعات نفسية لدى الطلبة قد تتطور في بعض الحالات إلى اضطرابات أكثر تعقيدًا.

ومن جهتها، تؤكد الدكتورة المومني أن المركز الوطني لحقوق الإنسان أوصى بجملة من الإجراءات، أبرزها التوسع في إدماج عيادات الصحة النفسية داخل المستشفيات والمراكز الصحية الشاملة، وزيادة الكوادر المتخصصة، وتعزيز الوعي المجتمعي، إلى جانب تفعيل خطة العمل الوطنية للصحة النفسية 2022–2026، والتوسع في تقديم الخدمات المجانية بمختلف الوسائل المتاحة. هنا 



فجوة  الدعم

في ظل تصاعد الجدل حول واقع الصحة النفسية في الجامعات، تتباين التقديرات بشأن فاعلية الخدمات المقدمة وحجم الاستفادة منها، وسط مطالب بتعزيز التدخل المبكر وتقليل الوصمة الاجتماعية.

قال الدكتور القضاة أن الجامعات “توفر منظومة دعم نفسي وأكاديمي متكاملة، تشمل مرشدين أكاديميين ونفسيين، إلى جانب استشارات مجانية مع أطباء مختصين"، مشيرًا لوجود "قنوات تواصل معلنة ومباشرة للطلبة". ومع ذلك، أقر بأن "لإقبال على هذه الخدمات ما يزال محدودًا"، في مؤشر يثير تساؤلات حول أسباب عزوف الطلبة عن طلب المساعدة.

وأضاف أن هناك "فجوة واضحة في الكشف المبكر عن الحالات النفسية"، لافتًا إلى أن هذا التأخر "يؤدي  لتعقيد العلاج وصعوبة التدخل لاحقًا". ودعا "لتعزيز آليات الرصد داخل البيئة الجامعية، بما يضمن التعامل المبكر والفعال مع الحالات". 

من جانبه، أوضح مدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور محمد الطعاني أن خدمات الطب النفسي "متاحة مجانًا لحاملي الرقم الوطني وتشمل مختلف الفئات العمرية"، مبينًا أن مسار الحصول على الخدمة "يبدأ عادة عبر الإرشاد النفسي داخل الجامعات، ثم التحويل للمرافق الصحية الحكومية وعيادات الطب النفسي عند الحاجة".

ورغم توفر هذا الإطار، شدد الطعاني لـ "شييك" على أن “التحدي الأبرز يتمثل في ضعف الإقبال على هذه الخدمات”، مرجعًا ذلك  "لاستمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية"، والتي ما تزال تشكل عائقًا أمام طلب المساعدة.

وفي السياق التنظيمي، أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور مهند الخطيب، أن "ملفات الدعم والرعاية النفسية داخل الجامعات تُعد من الشؤون الأكاديمية الداخلية لكل جامعة"، موضحًا أنها "لا تدخل ضمن اختصاص الوزارة أو صلاحياتها التنظيمية"، ما يعني أن إدارتها "تقع بالكامل ضمن مسؤولية المؤسسات التعليمية نفسها". 


عزوف صامت 

في مقاربة تتقاطع فيها زوايا النظر لواقع الصحة النفسية تكشف المعطيات عن مشهد معقد تتداخل فيه التحديات البنيوية مع العوامل الاجتماعية. وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة المومني أن تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان توثق تراكم هذه الإشكاليات، حيث يبرز نقص الكوادر المتخصصة كأحد أبرز العوائق، إلى جانب استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية. كما تشير لارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص، وضعف خدمات الإرشاد النفسي داخل المؤسسات التعليمية، فضلًا عن تراجع الوعي العام بأهمية الصحة النفسية، ما يعمّق الفجوة بين الحاجة للدعم النفسي وتوافره على أرض الواقع. 

يؤكد الدكتور الطعاني أن ضعف الإقبال على خدمات العلاج النفسي يشكّل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، رغم توفرها، مشيرًا إلى أن الوصمة الاجتماعية ما تزال عائقًا رئيسيًا أمام الاستفادة منها.

ويقول إن "استمرار الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية يمنع كثيرين من طلب المساعدة أو الإفصاح عن معاناتهم"، لافتًا إلى أن ذلك "يُسهم في توسيع الفجوة بين الحاجة الفعلية ومستوى الاستجابة المتاحة". 

يرى الدكتور القضاة أن عزوف الطلبة عن الدعم النفسي يعود لعوامل متداخلة، أبرزها "الخوف من انعكاس السجل العلاجي على المستقبل المهني"، و"الضغوط الاجتماعية والأعباء المالية وارتفاع سقف التوقعات" و"ضعف الصبر على مسار العلاج". ويشير إلى أن "الاعتماد المباشر على الدواء دون منح مساحة كافية للاستماع وبناء الثقة" قد يفاقم هذا العزوف.

في هذا السياق، خلصت دراسة أعدّها أطباء أردنيون بعنوان "وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي في الأردن" نشرت في مجلة الخدمات الطبية الملكية إلى أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية لا تكتفي بإعاقة طلب المساعدة، بل تسهم في تفاقم الحالة ذاتها. وبيّنت نتائج الدراسة أن هذه الوصمة تقف وراء نحو 41% من حالات التأخر في مراجعة مراكز خدمات الصحة النفسية، كما ترتبط بظواهر أخرى مثل الانقطاع عن العلاج، وضعف الالتزام به، وتأخر تحسّن الحالات، ما يعمّق فجوة التعافي ويزيد من تعقيد التدخلات العلاجية. 




فجوة الدعم النفسي في الجامعات لم تعد خللًا خدماتيًا، بل أزمة تتسع بين طلب متزايد واستجابة متأخرة، تغذيها الوصمة وضعف الكشف المبكر. ويؤكد مختصون أن “المشكلة لم تعد في توفر الخدمات، بل في ضعف الوصول والثقة بها”، وأن “الوصمة تدفع كثيرين للصمت”، فيما “ما يُرصد رسميًا لا يعكس حجم المعاناة”.


النتيجة 

يكشف تقرير شييك وجود فجوة بين محدودية الدعم النفسي داخل الجامعات وضعف الاستفادة من الخدمات المتاحة، بفعل الوصمة الاجتماعية ونقص الثقة والمتابعة، ما يعكس أزمة في الوصول الفعلي للرعاية أكثر من توفرها.




organic