سائقو النقل العمومي في الأردن.. كلف تشغيلية باهظة وفراغ تشريعي يحرمهم الحماية

image
صورة مولدة بتقنية ai
حقوق إنسان اقتصاد 2026-05-18

 

الأردن

فريق شييك

ترصد منصة "شييك" غياب الحماية القانونية والاجتماعية لسائقي النقل العام في الأردن، وسط شهادات توثق ساعات عمل مرهقة، وكلفاً تشغيلية مرتفعة، ودخلاً متآكلاً. 

 

بين ساعة عمل تمتد لـ 16 ساعة يومياً، وصافي دخل ينتهي بخمسة دنانير فقط؛ يغرق آلاف السائقين على مركبات "التكسي" و"السرفيس" في الأردن داخل حلقة استنزاف معيشي وقانوني غير مرئي. هذا القطاع الذي يمثل الشريان الحيوي لحركة البلاد، بات يتحول بفعل منافسة التطبيقات الذكية وتصاعد الكلف التشغيلية إلى بيئة طاردة للعاملين فيها.

وفي وقت ترهن فيه الجهات الرسمية حمايتها العمالية بنصوص تشريعية تقليدية، وتبحث حلولها التنظيمية في هوامش "قروش" العدادات؛ يجد السائقون أنفسهم معلقين في منطقة قانونية رمادية بلا أمان اجتماعي أو تأمين صحي، ما يحول كفاحهم اليومي من أجل البقاء إلى مواجهة مفتوحة يوثقها هذا التحقيق بين مطالب قديمة وضغوط متجددة..هنا



 

 16 ساعة عمل ... دخل بالكاد تكفي

في شهادة وثقها فريق "شييك"، يروي السائق الستيني رائد حمدان واقعاً مأساوياً يتجاوز حدود القدرة الجسدية؛ إذ يضطر مع الكثير من زملائه للعمل لساعات تمتد ما بين 16 إلى 18 ساعة يومياً، فقط لتغطية "الضمان اليومي" وكلف التشغيل الأساسية.

ويؤكد حمدان أن السائق في هذا القطاع "لا يملك رفاهية التوقف" حتى في حالات المرض، أو الظروف العائلية، أو الأعياد والعطل الرسمية؛ إذ يطالب أصحاب المركبات بالضمان كاملاً دون التفات لأي اعتبارات إنسانية، بشعار يختصره الملاك بعبارة: "بدي ضمان السيارة كامل ما إلي علاقة".

هذا الاستنزاف تؤكده الأرقام؛ إذ يصل ضمان السيارة الحديثة (الهايبرد) إلى ما بين 27 و28 ديناراً يومياً، ومع الارتفاعات الأخيرة في أسعار المحروقات وتصاعد كلف الصيانة، ينتهي الأمر ببعض السائقين بالعودة إلى منازلهم بصافي دخل لا يتجاوز خمسة دنانير بعد يوم عمل شاق، فيما تعني أي مخالفة سير ضياع قوت يومين كاملين. ويقول حمدان واصفاً حجم الإنهاك النفسي والجسدي: "أنا عمري 60 سنة، لم يعد لدي القدرة الجسدية للعمل لساعات طويلة، لكن الظروف تدفعنا للاستمرار حتى الانهاك الكامل".

وتكشف هذه الشهادة وجهاً آخر لـ "اللاعدالة غير المرئية" وغياب التقدير داخل القطاع؛ فرغم مسيرة حمدان الطويلة الملتزمة وخلو سجله من الحوادث والمخالفات المؤثرة ــ وهو ما وفّر على مالك المركبة كلف الصيانة وخفّض عليه رسوم الترخيص والتأمين ــ إلا أن هذا الالتزام لم ينعكس بأي ميزة أو استقرار مهني على السائق، الذي يظل رهيناً لجهده اليومي المباشر خلف المقود دون أي حماية قانوني

"خارج التصنيف".. غياب الحماية والمنطقة الرمادية

لا تتوقف الأزمة عند حدود الاستنزاف المالي والجسدي، بل تمتد لتطال البنية القانونية للمهنة؛ إذ يرى السائق عماد ناصر، في شهادة أخرى وثقها التقرير، أن جذر المشكلة يكمن في "عدم الاعتراف بسائق التكسي كمهنة مصنفة" ضمن الأنظمة الوظيفية والعمالية، ما يحرم آلاف السائقين من الحقوق الأساسية كالتأمين الصحي، والضمان الاجتماعي الإلزامي، وضمانات الشيخوخة.

ويوضح ناصر أن غياب العقود الرسمية التي تنظم العلاقة بين السائق ومالك المركبة، ترافق معه غياب جهة رقابية تحدد سقوفاً وضوابط لـ "الضمانات اليومية المرتفعة" التي يفرضها الملاك مستغلين حاجة السائقين. هذا الفراغ التنظيمي يضع السائق "المتضمن" ــ بحسب ناصر ــ في منطقة قانونية رمادية، فالمسمى غير موجود تشريعياً رغم اعتماده الفعلي في السوق، ما يجعل السائق معلقاً بلا صفة "العامل" التي تمنحه الحقوق، ولا صفة "صاحب العمل" التي تمنحه الامتيازات.

هذا الخلل البنيوي انعكس طردياً على الحياة الاجتماعية والنفسية للسائقين الذين يواجهون ساعات عمل تتجاوز 13 ساعة يومياً لملاحقة الفواتير والالتزامات دون جدوى. ويختم ناصر شهادته بالإشارة إلى تعامل الجهات الرقابية مع السائقين بالقول: "القانون قانون، لكن أحياناً يغيب جانب العدالة وروح القانون في التعامل مع بعض المخالفات المرورية"، مما يضاعف الأعباء على فئة تعيش أساساً حالة استنزاف مستمر مقابل دخل غير مستقر.

 

قطاع يعمل بلا حماية

هذا التشخيص العمالي المدعم بالشهادات، يضعه رئيس النقابة المستقلة لسائقي العمومي في الأردن، محمد الزير، في سياق أعمق؛ مؤكداً أن ما يواجهه السائقون اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو نتاج "بنية كاملة من الاختلالات الاقتصادية والتنظيمية المتراكمة".

ويصف الزير واقع السائقين بـ "حلقة استنزاف يومية مغلقة"؛ فمن جهة، فرض تمدد تطبيقات النقل الذكية منافسة غير متكافئة عبر عروض سعرية تقل عن تعرفة التكسي التقليدي، ومن جهة أخرى، قفزت الكلف التشغيلية بشكل حاد؛ إذ يوضح بالأرقام أن كلفة تعبئة الوقود اليومية ارتفعت من 15 ديناراً قبل سنوات إلى قرابة 20 ديناراً اليوم، ما يعني اقتطاع 5 دنانير إضافية يومياً من قوت السائق. يترابط ذلك مع "ضمانات يومية" مجحفة احتُسبت لصالح الملاك، لتصل إلى 35 ديناراً للمركبات الكهربائية، وما بين 25 إلى 28 ديناراً لمركبات الهايبرد؛ وهو ما يفسر رسمياً ونقابياً سبب عودة السائق بخمسة دنانير فقط بعد 16 ساعة عمل.

ويرى الزير أن جذر الانتهاك الحقوقي يكمن في استثناء سائقي العمومي من قانون العمل الأردني، وتصنيفهم قانونياً تحت مسمى "المتضمن"، معتبراً هذا التوصيف بمثابة "تحايل قانوني" يجرد السائق من صفته كعامل ويحرمه من مظلة الضمان والتأمين الصحي، ليتحمل وحده كامل العبء التشغيلي دون أي سلطة فعلية.

ولا تتوقف الأزمة عند غياب الحماية التشريعية، بل تمتد إلى عمق العمل النقابي؛ إذ يكشف الزير عن ضعف الاعتراف والتواصل الحكومي مع مطالب السائقين، وإقصائهم من القرارات التنظيمية. ويعيد الزير هذا الضعف في التمثيل إلى جمود تشريعي يمنع التعددية النقابية؛ حيث لا يزال اتحاد العمال مغلقاً على 17 نقابة فقط منذ عام 1956، دون أي مواكبة للتوسع الهائل في قطاعات العمل.

ورغم هذا الواقع المرير، يشدد رئيس النقابة على أن حماية أرواح الركاب تظل أولوية، مؤيداً تشديد الرقابة المرورية وضبط المخالفات الخطرة عبر الكاميرات، لكنه يطالب الحُكومة بالفصل الحاسم بين إنفاذ القانون المروري، وبين معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية التي تخنق السائقين.