الأردن
شييك
خلف كل طلب انتساب مرفوض في "نقابة الصحفيين الأردنيين"، ثمة قصة مهنية لم تُروَ؛ صراعات صامتة مع شروطٍ يراها ممارسو المهنة "تعجيزية"، وواقعٍ صحفي يتغير بسرعة لا تلاحقها النصوص القانونية الجامدة.
بسمة السلايطة، واحدة من هؤلاء. رحلتها التي بدأت منذ تخرجها في جامعة اليرموك (1990)، وتنقلت بين غرف أخبار محلية ومؤسسات إعلامية قطرية كـ "الراية" و"العرب"، اصطدمت بجدارٍ نقابيٍ صدّها بحجة أن خبراتها "غير معتمدة" أو "متقطعة".
لا تمثل حالة بسمة مجرد محاولة تعثرت؛ بل هي خيطٌ رفيع في نسيجٍ أوسع من الإقصاء المهني. فبينما يفرض التطور الرقمي واقعاً إعلامياً جديداً، لا تزال معايير الانتساب في الأردن حبيسة قوالب كلاسيكية، تُقصي كفاءات وتمنعهم من حقهم في الحماية والتمثيل النقابي.
في هذا التقرير، نوثق شهاداتٍ وقصصاً حية، ونكشف بالوثائق كيف تحولت شروط العضوية من "أداة تنظيم" إلى "معيقٍ مهني"، لنطرح السؤال الذي بات يؤرق الوسط الصحفي: من يستحق اليوم صفة "صحفي" في الأردن؟.
جدل الشهادة والعضوية
في المقابل، تستند نقابة الصحفيين الأردنيين في قراراتها إلى نصوص قانونية تربط العضوية بالممارسة الفعلية للمهنة، لا بالمؤهل الأكاديمي وحده. ويوضح رئيس لجنة العضوية في النقابة، علي الطراونة، في حديثه لـ "شييك"، أن الحصول على شهادة في الصحافة أو الإعلام لا يمنح صاحبه حق الانتساب تلقائياً، إذ يشترط قانون النقابة استكمال فترات تدريب وممارسة مهنية محددة قبل قبول طلب العضوية.
يستشهد الطراونة بالمادة (5/د) من قانون نقابة الصحفيين لسنة 1998، التي تنص على أن طالب العضوية يجب أن يكون حاصلاً على مؤهل علمي معترف به، وأن يكون قد تدرب على ممارسة المهنة لمدة محددة بحسب نوع المؤهل. ويؤكد الطراونة لـ "شييك" أن النصوص القانونية لا تجعل الشهادة الجامعية معياراً وحيداً، بل تربط العضوية بممارسة العمل الصحفي فعلياً، والتدرج المهني داخل "المؤسسات الإعلامية المعترف بها"، مشيراً إلى أن النقابة تعتبر العضوية "استحقاقاً مهنياً" يتجاوز التأهيل الأكاديمي.
وبحسب الطراونة، فإن قرارات رفض بعض طلبات الانتساب لا تستند إلى تخصص المتقدم أو نوع شهادته، بل إلى مدى استيفائه لشروط التدريب والممارسة المنصوص عليها في القانون، والتي تعدها النقابة متطلبات جوهرية لاكتساب صفة "الصحفي".
غير أن هذا التفسير يظل محل جدل واسع بين خريجي الصحافة والإعلام؛ الذين يرون في هذه الشروط قيوداً إضافية تحول دون تمثيلهم نقابياً رغم امتلاكهم المؤهلات العلمية المطلوبة. ولعل اللافت في حديث الطراونة لـ "شييك" هو إقراره بـ "عدم ملائمة شروط الانتساب الحالية للتطورات المهنية والأكاديمية التي رافقت الإعلام الرقمي"، وهو ما يضع تعريف الصحفي -كما ورد في المادة (2) من قانون النقابة بأنه "عضو النقابة المسجل في سجل الصحفيين واتخذ الصحافة مهنة له وفق أحكام هذا القانون"- على محك المراجعة في ظل واقع إعلامي يتجاوز القوالب الكلاسيكية.هنا
الصحافة المستقلة بلا اعتراف نقابي
لا تقف عقبات الانتساب عند حدود "شروط التدريب" فحسب، بل تمتد لتُقصي فئات واسعة من المشهد الإعلامي، وتحديداً الصحفيين المستقلين الذين يمارسون المهنة خارج أسوار المؤسسات التقليدية، والمتدربين الذين يفتقرون للغطاء التأميني، وحتى العاملين في مجالات متصلة كالعلاقات العامة.
تجسد تجربة شِفاء القضاة، خريجة الصحافة عام 2018، هذه الأزمة بوضوح؛ فهي تعمل منذ عام 2021 مراسلةً وصحفية مستقلة لعدة مؤسسات إعلامية عربية ودولية، وتنشط في شبكات متخصصة، لكن كل هذا الرصيد المهني لم يمنحها اعترافاً من نقابة الصحفيين الأردنيين.
تقول القضاة لـ "شييك": "نحن الصحفيين المستقلين نعمل بلا مظلة حماية مهنية أو قانونية، رغم أننا نمارس عملنا بشكل مستمر واحترافي". وتوضح أن غياب الاعتراف الرسمي ليس مجرد "أزمة بطاقة عضوية"، بل حاجز يحول دون الوصول للمعلومات والمصادر، مشيرة إلى أن الأمر تفاقم مع صدور تعاميم حكومية تقصر التعامل المهني على الصحفيين "المعترف بهم رسمياً".
هذه الإجراءات -بحسب القضاة- تسببت في تعطيل تحقيقات صحفية حيوية، وألقت بالصحفيين المستقلين في دائرة من القلق الدائم؛ فالمصادر الرسمية كثيراً ما تطلب إثبات الارتباط بمؤسسة تقليدية، وفي غياب ذلك، يزداد العناء وتتقلص فرص الحصول على التصريحات. وتختم القضاة بالإشارة إلى هاجسٍ يؤرق المستقلين: "الخوف من الملاحقات الأمنية يظل حاضراً وبقوة في ظل فقدان كيان نقابي يمثلنا أو يدافع عن حقوقنا في العمل بأمان".
"حصرُ الصفة".. إقصاءٌ حكوميٌ بقرارٍ نقابي
في أغسطس 2025، دخل المشهد الإعلامي الأردني مرحلة جديدة من الاستقطاب، عقب تعميمٍ حكومي حصر تعامل الوزارات والمؤسسات الرسمية -في الدعوات والتغطيات- بالصحفيين المسجلين في نقابة الصحفيين والعاملين في مؤسسات إعلامية مرخصة حصراً. استند القرار إلى نصوص قانوني "نقابة الصحفيين" و"المطبوعات والنشر"، ليضع حداً فاصلاً بين من تعترف بهم السلطة "صحفياً" ومن تدرجهم ضمن خانة "المستقلين" أو "الهواة".
في المقابل، سارعت نقابة الصحفيين للترحيب بالتعميم، معتبرةً إياه خطوة ضرورية لـ "ضبط إيقاع المهنة". ووفقاً لرؤية النقابة، فإن هذا الإجراء يمثل صمام أمان للحد من انتحال الصفة الصحفية الذي نشط عبر المنصات الرقمية، كما يهدف لتعزيز المهنية وضمان المساءلة داخل القطاع، عبر حصر التمثيل والتعامل المؤسسي في إطار قانوني واضح.
غير أن هذا الإطار "التنظيمي" الذي تراه النقابة مدخلاً لترسيخ المهنية، يراه صحفيون مستقلون إقصاءً ممنهجاً يضيق الخناق على حرية العمل الصحفي، ويحرم عدداً كبيراً من الممارسين المحترفين من أدنى حقوقهم في الوصول إلى المعلومة والمشاركة في التغطيات الرسمية، مما يطرح تساؤلاً حقوقياً حول مدى توافق هذه القيود مع مفهوم الصحافة في العصر الرقمي المفتوح.
شروط الانتساب.. بين التنظيم المهني والمعايير الدولية
يُكرس قانون نقابة الصحفيين الأردنيين ونظامها الداخلي مفهوم "التدرج المهني"؛ إذ يشترط على خريجي الصحافة والإعلام اجتياز مرحلة "الصحفي تحت التمرين" وممارسة المهنة فعلياً قبل الحصول على العضوية العاملة. وضمن محاولات الاستجابة للمتغيرات، أتاحت النقابة في عام 2025 لخريجي التخصص تسجيل أسمائهم في "سجل الصحفيين المؤازرين"، إلا أن هذا المسار لا يمنحهم الحقوق النقابية الكاملة، كحق الترشح والانتخاب، مما يعكس تمسك النقابة بـ "الممارسة الفعلية" كمعيار حصري للحصول على الامتيازات النقابية.
هذا النهج يضع النقابة أمام تساؤلات حقوقية حول مدى مواءمة شروطها مع المعايير الدولية لحرية التنظيم والتعبير. فعلى الصعيد الحقوقي، تكفل المادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الأفراد في تكوين الجمعيات والانضمام إليها، وهو ما أكدته المادة (22) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حق الأفراد في تشكيل النقابات المهنية، بالتوازي مع المادة (19) التي تشدد على ضمان عدم فرض قيود غير مبررة على العمل الصحفي وتداول المعلومات.
كذلك، تُعد اتفاقيات منظمة العمل الدولية، لا سيما الاتفاقيتين (87) و(98)، مرجعاً أساسياً في هذا السياق؛ إذ تضمنان حق العاملين في التنظيم النقابي دون تمييز أو ممارسات إقصائية. وبينما تُجيز المواثيق الدولية للمؤسسات المهنية وضع تنظيمات داخلية ومعايير للعضوية، فإنها تضع شرطاً جوهرياً يتمثل في أن تكون هذه المعايير "موضوعية، ومتناسبة، وغير تمييزية"، بحيث لا تتحول إلى عائق يحرم الكفاءات المؤهلة من حقهم الأساسي في التنظيم المهني، أو يعطل ممارستهم لحرية العمل الصحفي.
الصحافة بين الممارسة والاعتراف
يقف محمد شاهين اليوم أمام معادلة غريبة؛ فهو يمارس العمل الصحفي منذ تسع سنوات، وتدقق يداه في صياغة الأخبار والتقارير، لكن القانون لا يزال يرفض منحه "اللقب". بالنسبة لشاهين، لا تكمن العقدة في نقص الخبرة، بل في جمود المعايير التي تحكم آليات إثبات "علاقته بالمؤسسة".
يختصر شاهين أزمته في حديثه لـ "شييك" بالقول: "أمارس المهنة بوضوح، لكن اشتراطات إثبات العلاقة الوظيفية هي التي تعيقني". وهو يرى في كشف الضمان الاجتماعي "المرآة الصادقة" لواقع الممارسة المهنية، متسائلاً عن سبب تجاهل النقابة لهذا المستند الرسمي الذي يثبت مكان عمله، بدلاً من التمسك بإجراءات ورقية عقيمة. وبإصرار على انتزاع حقه، يعتزم شاهين تقديم ملفه مجدداً، مدعوماً بتسع سنوات من الأرشيف الصحفي، ليكون اختباراً حقيقياً لمدى استجابة النقابة لواقع ممارسين ميدانيين، لا موظفين في مكاتب ورقية.
تتسع هذه الفجوة لتضم في طياتها عشرات الصحفيين ممن خاضوا تجاربهم في مؤسسات عربية ودولية داخل الأردن. هؤلاء الذين صقلت خبراتهم ميادين العمل المفتوحة، يجدون أنفسهم اليوم عالقين في "فراغ قانوني"؛ إذ لا تعترف النقابة بخبراتهم المكتسبة خارج المسارات التقليدية، لتصبح سنواتهم في غرف الأخبار العربية والأجنبية -في نظر النقابة- مجرد وقتٍ لم يقع تحت "سلطة" قانونها.
عقودٌ عابرة للحدود.. حينما يغيبُ القانون الأردني
لا تتوقف المعضلة عند المعايير النقابية فحسب، بل تمتد لتصطدم بآليات تشغيلٍ "خارج القانون" تتبعها مؤسسات إعلامية كبرى. هذا ما تؤكده سوسن أحمد، التي وجدت نفسها ضحيةً لفجوةٍ إدارية لا يد لها فيها؛ فقد عملت لسنوات في قناة عربية مرخصة داخل الأردن، لكنها اكتشفت لاحقاً أن تأخر إخضاعها للضمان الاجتماعي لمدة عام كامل –بسبب تهاون المؤسسة– قد أطاح بفرصها في إثبات ممارستها المهنية وفق الأطر التي تشترطها النقابة.
هذه الإشكالية ليست استثناءً، بل نموذجٌ يتكرر في "المكاتب الإقليمية" لوسائل إعلام دولية. تروي سوسن بمرارة كيف أُجبرت على توقيع عقودٍ تخضع لولاية قضائية بعيدة عن الأردن: "أنا صحفية أردنية أعمل في الميدان الأردني، لكن عقدي كان موقعاً في ليبيا، ويخضع لوزارة العمل الليبية". تضيف سوسن لـ"شييك": "حتى في حالات النزاع الوظيفي، كان يُفترض بي اللجوء للقضاء الليبي، وهو أمرٌ مستحيل عملياً".
هذا الواقع يجعل الصحفيين في الأردن تحت رحمة عقودٍ قانونية "عابرة للحدود"، تفصلهم تماماً عن المظلة التشريعية الوطنية. وبينما يطالب القانون الأردني هؤلاء الصحفيين بإثبات ممارستهم للمهنة وفق شروطٍ جامدة، تتجاهل المؤسسات المشغلة القوانين المحلية، مما يترك الصحفي -كـ سوسن- في منطقة رمادية: لا هو محمٍ بقانون العمل الأردني، ولا هو معترف به كصحفي في وطنه؛ لتضيع سنوات الخبرة والممارسة في دهاليز عقودٍ لا تعترف بالحدود الجغرافية للعمل الصحفي، ولا تلتزم باستحقاقات القانون المحلي.
القانونُ والواقع المهني
في المقابل، يظل القانون الأردني صارماً في نصوصه؛ إذ تفرض المادة (16) من قانون نقابة الصحفيين حظراً قاطعاً على المؤسسات الإعلامية في المملكة باستخدام أي شخص في عمل صحفي، ما لم يكن مدرجاً ضمن "سجل الصحفيين الممارسين". وبموجب الفقرة (ب) من المادة ذاتها، يُسمح للمؤسسات بقبول متدربين فقط بعد استيفائهم للمؤهلات العلمية وتسجيلهم في سجل المتدربين تحت إشراف النقابة.
هذا النص، الذي يبدو في ظاهره أداةً لتنظيم المهنة وحمايتها، تحول في تجربة صحفيين كـ "سوسن" و"شاهين" إلى قيدٍ إضافي. فبينما تُلزم هذه المادة المؤسسات بتوظيف المسجلين نقابياً، يجد الصحفيون أنفسهم أمام "حلقة مفرغة"؛ فالمؤسسات الإعلامية -خاصة تلك التي تعمل بعقود عابرة للحدود- غالباً ما تتجاوز هذا القيد القانوني لتوظيف كوادر غير مسجلة، ليجد الصحفي نفسه في النهاية خارج "سجل الممارسين"، وبلا أدنى قدرة على المطالبة بحقوقه، أو إثبات خبرته أمام النقابة التي تحرمه لاحقاً من العضوية لعدم تطابق وضعه مع شروط المادة (16).
هكذا، تغدو المادة (16) قانوناً يحمي "المهنة" نظرياً، لكنه في التطبيق الواقعي يترك الصحفي الميداني وحيداً في مواجهة مؤسسات تتجاهل التشريعات، ونقابةٍ تعتمد في اعترافها على وثائق رسمية قد لا تتوفر نتيجة لخللٍ في تطبيق ذلك القانون ذاته.
رؤيةٌ حقوقيةٌ بديلة
في هذا المشهد المليء بالتعقيدات التشريعية، يتبنى مركز حماية وحرية الصحفيين –الذي يتابع هذا الملف منذ عام 2005– وجهة نظرٍ نقدية، مؤكداً أن إلزامية العضوية النقابية في الأردن تصطدم بوضوح مع المادة (22) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويرى المركز في هذا الإلزام مساساً بحرية الاختيار وتجاوزاً للالتزامات الدولية التي تكفل للأفراد حق إنشاء النقابات والانضمام إليها بحرية لحماية مصالحهم المهنية.
لا يكتفي المركز بهذا الطرح الحقوقي، بل يذهب إلى تقييمٍ أدائيٍ يتجاوز القوانين، مؤكداً أن عقوداً من فرض العضوية الإلزامية لم تُفضِ إلى التطور المهني المأمول أو تعزيز الحريات الإعلامية. وانطلاقاً من ذلك، يدعو المركز إلى تبني نموذج "التعددية النقابية"، مستشهداً بتجارب دولٍ عربية وغربية -كفلسطين والمغرب والجزائر والكويت والإمارات– التي لا تشترط الانتساب الإجباري لممارسة المهنة.
وفي ظل تضارب الآراء حول تنظيم القطاع، يرى المركز أن الحلول الرسمية الحالية تعالج الأعراض لا الأزمات الحقيقية؛ إذ تظل حبيسة قوالب تقليدية لا تلامس جوهر التحديات الرقمية، ولا تنسجم مع التوجهات الدولية الرامية لتوسيع هامش حرية الصحافة، مما يترك الباب مفتوحاً لمطالباتٍ متجددة بضرورة إعادة النظر في فلسفة التنظيم النقابي برمتها.
"صحفيون مع وقف التنفيذ": حكاية المطالب العالقة
لم يكن الجدل حول معايير العضوية النقابية وليد اللحظة؛ فالتاريخ يوثق أن هذا الملف يعود إلى ما قبل أكثر من عقد، حين انطلقت في سبتمبر 2012 حملة "صحفيون مع وقف التنفيذ". آنذاك، نفذ عشرات الخريجين اعتصاماً أمام نقابة الصحفيين الأردنيين للمطالبة بتعديل شروط الانتساب وفتح الباب أمام خريجي كليات الإعلام، مؤكدين حينها أن أعدادهم كانت تتجاوز 250 خريجاً يطمحون لاستيعابهم تحت مظلة العمل المهني المنظم.
اليوم، وبعد مرور نحو 14 عاماً على ذلك الحراك، لا يزال السؤال الذي طرحه المعتصمون آنذاك يتردد في أروقة المهنة؛ فبينما تضاعفت أعداد الخريجين وتغيرت أدوات الصحافة وأصبحت رقمية بامتياز، ما تزال المعايير التشريعية تدور في ذات الحلقة المفرغة. إن استحضار هذا المحطة التاريخية لا يهدف للنبش في الماضي، بل لتسليط الضوء على "جمود المسار" الذي جعل من آلاف الصحفيين – منذ عام 2011 وحتى اليوم – يعيشون حالة من الانتظار المهني، في انتظار مواءمةٍ قانونية تنهي حالة "التنفيذ المعطل" لعضويتهم، وتمنحهم حقهم الطبيعي في التنظيم النقابي الذي يواكب تطورات العصر.
حق الرد
فجوةٌ في المسارات
يعكس المشهد الإعلامي الأردني اليوم تبايناً ملحوظاً بين التوجه الرسمي نحو مواكبة التحول الرقمي، وبين الأنظمة التشريعية التي لا تزال تعتمد على قوالب كلاسيكية في تحديد المسارات المهنية. ففي الوقت الذي ترفد فيه كليات الإعلام سوق العمل بأجيالٍ مؤهلة للتعامل مع أدوات الصحافة المعاصرة، وتمنح هيئة الإعلام المرئي والمسموع تراخيص متزايدة لمؤسسات إعلامية رقمية حديثة، يظل الانتساب النقابي حبيس اشتراطات إجرائية لا تتواءم مع هذا التوسع الميداني.
هذا التناقض البنيوي يخلق حالة من التخبط؛ فالدولة تشجع الاستثمار في الإعلام الرقمي وتدعم التكنولوجيا كركيزة للتنمية، لكن في المقابل، تُبقي النقابة على شروط عضوية صُممت لعصرٍ إعلامي مختلف. هذا الجمود يجعل من "صفة الصحفي" مسألةً خاضعة لتعريفات إدارية ضيقة، لا تعترف بالمهارات الرقمية المتقدمة التي يمتلكها خريجو اليوم، ولا بالتحولات التي طرأت على طبيعة العمل في المؤسسات الإعلامية الحديثة المرخصة من هيئة الإعلام.
إن استمرار هذا التباين بين الطموح الرسمي نحو التحديث، والتمسك بالقيود التنظيمية التقليدية، يضع القطاع الإعلامي أمام تحدٍ حقيقي؛ فالمؤسسات الإعلامية تزداد عدداً وتنوعاً، والكوادر البشرية في حالة تجدد مستمر، بينما لا تزال مظلة التنظيم المهني تواجه صعوبة في مواءمة أدواتها مع سرعة التطور التقني، مما يستدعي رؤية تنظيمية مرنة تتجاوز الصياغات الحرفية للقانون، وتستوعب واقع الإعلام المعاصر بكل تعقيداته.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما تزال شروط الانتساب الحالية قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها الصحافة، أم أنها باتت تستبعد فئات متزايدة ممن يمارسون المهنة فعليًا دون اعتراف أو حماية؟